حرب الاغتيالات القذرة في بغداد

داود البصري
لعلها فضيحة أمنية كبرى , ومهزلة مأساوية فظيعة تلك التي جرت في بغداد قبل أيام قليلة, وهي مجزرة إرهابية فظيعة مرت على وسائل الإعلام العربية والعراقية بشكل خجول, رغم فظاعتها ودلالاتها المستقبلية الخطرة وإرهاصاتها على صعيد اتجاهات وتحولات الحرب الطائفية الشرسة القائمة في العراق. فبدم بارد وبأسلوب مافيوزي عصابي بحت, وتحت نظر الأجهزة الأمنية وأمام عيون الناس جميعا أقدمت ميليشيا “بدر” التي يقودها الوزير الأسبق الحرسي هادي العامري على خطف النائب العراقي زيد الجبوري الذي كان يرافقه عمه شيخ عشيرة المراشدة قاسم سويدان الجنابي, ومعه ابنه المتخرج حديثا بدكتوراه في غلاسكومحمد قاسم الجنابي وعناصر حمايتهم وثلاثة مواطنين أبرياء كانوا بصحبتهم! وتم إقتياد الموكب نحومنطقة الشعب شمال شرقي بغداد (منطقة نفوذ الميليشيات الطائفية) وقتلهم جميعا بوحشية بإستثناء النائب زيد الجنابي الذي تعرض للضرب والإهانة لينجو ويحمل رسالة إرهابية واضحة الدلالات والمباني والمعاني. هذه الجريمة طبعا وقف أمامها رئيس الحكومة حيدر العبادي عاجزا فاغرا فاه فهو لا يستطيع محاسبة القتلة رغم أنه يعرفهم بعناوينهم الكاملة, كما أن موكب الخطف إخترق بغداد طولا وعرضا من دون أن يوقفه أحد, إضافة لكون وزارة الداخلية المسؤولة عن فرض الأمن وحماية أرواح المواطنين هي بيد محمد سالم الغبان أحد عناصر حركة “بدر” للإغتيالات ليكون حاميها حراميها, في أبشع مشهد لإرهاب السلطة في عالمنا المعاصر, فالقتلة قد حدد النائب زيد الجنابي الذي أفلت من الموت المحقق هويتهم وشخصهم بوضوح, والحكومة بكل هيلمانها وقواتها الأمنية التي تقودها وزارة الداخلية لا تستطيع مساءلة عنصر واحد من حركة “بدر” لكون وزير الداخلية منهم وهم مسيطرون على الأجهزة الأمنية إضافة لقيادتهم لعمليات الحشد الشعبي الطائفي? وكل الأوراق متداخلة في العراق ولا تعرف دوافع تلك الجريمة ولايمكن تبريرها سوى بسيناريو الحرب الطائفية الدائرة تحت عناوين عدة وبهدف جعل العاصمة العراقية بغداد حكرا على مكون مذهبي وطائفي واحد رغم كونها معروفة الهوية منذ قرون فهي عاصمة الرشيد, وليست عاصمة البرامكة ولا البويهيين ولا الصفويين. ما يجري اليوم في العراق فظيع وحرب الإغتيالات التي عادت بقوة لتتصدر المشهدين السياسي والأمني الكئيب تذكرنا بما فعلته حركة “بدر” في بداية إحتلال العراق العام 2003 حين إستهدفت فرق إغتيالاتها العلماء العراقيين وكبار الضباط والطيارين والكفاءات الوطنية الأخرى بدعوى كونهم بعثيين رغم أن غالبية العراقيين كانوا منضمين لحزب البعث بحكم الواقع الذي كان سائدا حينذاك. حرب الاغتيالات أخطر صفحة من صفحات الحرب الطائفية, كون من يقوم بها محمياً من أجهزة الدولة بل أنه هوالذي يقود مفاصلها الأمنية وتلك حالة لم تحدث أبدا في أشد الأنظمة ارهابية إستبدادا وعنجهية. كل مايدور اليوم من مآس عراقية تقف خلفه ثارات وشعارات طائفية مريضة. وسببه تدهور هيبة الدولة ومكانتها وتحولها لكانتون طائفي مغلق لا يمثل كل العراق بل يعبر عن مصالح فئة واحدة منه فقط! وتلك لعمري قاصمة الظهر! , من الواضح إن مشروع تقسيم العراق قد خطت خطوطه الدموية الكبرى في ظل المتغيرات القادمة في المنطقة وأهمها السقوط القريب والنهائي للنظام السوري مما يعني تغييرا في معادلات الصراع الإقليمية تكون المصلحة فيه تمر عبر تقسيم العراق وتشظيه! وذلك ملف مفتوح ومعروف منذ أمد طويل , خصوصا وإن الميليشيات اليوم قد تغولت وأضحت أقوى من الدولة , والحرب بين المكونات العراقية باتت تحصيل حاصل , فالأكراد مثلا يرفضون دخول قوات العامري لكركوك وقد هددوا بالتصدي العسكري لها مما إضطرها للإنسحاب منعا لمعركة لم يتم الإعداد لها ولكن العامري قد توعد الجانب الكردي ايضا منتظرا الفرصة المناسبة , كل الأسلحة في العراق اليوم جاهزة للإنطلاق ومعركة الموصل لن تبدأ قريبا أبدا بل أن الانتظار سيطول ضمن مرحلة إعداد خرائط التقسيم العرقي والطائفي وتغيير صورة العراق الذي عرفه العالم منذ العام 1921 . حرب الاغتيالات القذرة هي كلمة السر لانطلاق المشروع التقسيمي العراقي, فحكومة حيدر العبادي قد تحولت للأسف “لشاهد ماشفش حاجة”, بل أن كل الملفات السوداء تمر أمام ناظريها وهي أشبه بالمتفرج الذي لاحول له ولاقوة.. قطار تقسيم العراق بصدد الوصول لمحطته النهائية ولا يحتاج سوى لبعض الرتوش.

Related Posts

LEAVE A COMMENT