قبل فوات الأوان

احمد الجنديل
أصبحتِ الكلمة الصادقة التي لا تنتمي إلى خندق الحاكم، أو صومعة الكاهن في قائمة الممنوعات، شأنها شأن المخدرات وتعاطي المحرمات، وأصبح من اليسير ذبحها من خلال إشارة واحدة يطلقها حاكم أرعن، أو عبارة تنطلق من فم كاهن متخلف، فالكلمة الوطنية ليس لها وجود في قاموس أصحاب الخطابات الإسمنتية الصماء، والقلم الذي لا ينزف سمّاً زعافاً، ويؤدي دوراً في تركيع الشعب وإذلاله، لا يمكن له العيش في أجواء الهيمنة العاتية التي فرضها أساطين الكذب والشعوذة والتزوير.
وما بين الكلمة الشامخة بصدقها، والمتّوجة بوعيها، والمنتمية لوطنها، وبين إرادة المتربع على الكرسي الحاكم حرباً شرسة، فعندما تمتلك الكلمة قدرة الوصول إلى رأس الحاكم، أو الاقتراب من لحية الكاهن، يُعلن النفير العام، وتُقرع أجراس الخطر، وتنتهي المعركة بانتصار قوى الشر والخوف والانحراف، على الكلمة التي لا تمتلك غير صدقها وانتمائها إلى تراب الوطن.
في هذا الزمن الرخيص، كل الأسواق والمباغي والمواخير مفتوحة للأقلام الرخيصة، إلا تلك الأقلام التي تنادي بحياة الوطن ووحدته واستقلاله، وكل الأموال ميسرة في خدمة أصحاب الخطابات الطائفية والدينية والعنصرية، إلا الشعارات التي تقول أنّ العراق للعراقيين جميعاً، ولا فضل لأحد على أحد إلا بمقدار درجة الولاء للعراق والعراقيين دون تمييز.
وفي هذا الزمن البغيض، أصبح الخائن لوطنه فارساً صنديداً مبدئياً، وعلى الجميع أن يعلن الطاعة له ولمشاريعه المشبوهة وأهدافه الشريرة، وأصبح الغيور على وطنه ومستقبله في دائرة الشبهات، في وطن أقفلت فيه كل أبواب الخير والتسامح والحب، وتعطلت شرائع الله السمحاء، وانقلب إلى مستودعات للشبهات، وحاضنات للاتهامات، ومعارض للكذب والدجل من أجل سحق الوطن تحت عجلات التقسيم، واستمرار الاقتتال بين مكونات الشعب الواحد.
لقد بدأ الحريق يلتهم أطراف العباءة العراقية منذ بدأ الأفيون يأخذ دوره في تهميش المواطن، وتجريده من وطنيته بشتى أساليب الترغيب والترهيب، وإحلال الطائفة والقومية والدين والقبيلة بديلا عن الوطن، وقتل روح المواطنة لديه، في ظاهرة لم يشهدها العراقيون من قبل وعلى مر تاريخهم الطويل، وإذا ما استمر هذا النهج في التغذية من قبل سماسرة التقسيم، وأصحاب الرؤوس الجوفاء من السياسيين وغيرهم ممن ساهم في مشروع بيع العراق في أسواق النخاسة السياسية، عندها سيكون الجميع داخل المحرقة، وستأتي النيران على وطن خذله أبناؤه قبل أعدائه، وستكون مزبلة التاريخ مفتوحة الذراعين لاحتضان كل دعاة الفساد والرذيلة، وسيعلم الجميع أنّ مزبلة التاريخ كنار جهنم كلما امتلأت، صرخت: هل من مزيد؟

Related Posts

LEAVE A COMMENT