“داعش” العراق و “داعش” سوريا

باسل محمد
لا احد يشك في أن المعركة ضد تنظيم “داعش” لاسيما داخل العراق ستؤدي الى هزيمة هذا التنظيم وتحرير كل المدن والمناطق التي يسيطر عليها لاعتبارات عسكرية عديدة، غير ان من المؤكد بأن ذلك سيحدث بكلفة باهظة بالأرواح والبنى التحية والموارد والوقت، وهذا معناه أن القوات العراقية التي ستتولى هذه المهمة ستقدم برهانا بأنها قوات وطنية تتمتع بإرادة قوية في دحر الارهاب، ولذلك على وزارة الدفاع العراقية أن توثق هذه الحرب على “داعش” بكل تفاصيلها وتضحياتها لأنها ستؤسس لجيش عراقي وطني بحق ويجب عليها أن تستفيد من المعاني العظيمة ونتائج هذه المعركة المشرفة بكل أبعادها ودلالالتها.
على المستوى الميداني، نرى ان معركة الموصل، ستكون المعركة الفاصلة ضد هذا التنظيم الارهابي، ولذلك هنالك من يعتقد بأن هزيمته في هذه المدينة العراقية ستجبره على ترك بقية المناطق في تكريت وكركوك والأنبار من دون قتال بسبب الانهيار العسكري والمعنوي لقواته عندما تدخل القوات العراقية منتصرة في الموصل وهي فرضية عسكرية صائبة وواقعية الى حد كبير.
صحيح أن التحالف الدولي وضرباته الجوية المكثفة ستساهم بصناعة هذا النصر على “داعش” في الموصل، لكن كل القناعات – بما فيها قناعات دول التحالف – تقر بأن القوات العراقية البرية هي من ستحسم المعركة على الأرض و ستنهي “داعش” بشكل كامل.
بكل ثقة، نستطيع في العراق ان نتحدث عن نهاية “داعش” لكننا لا يمكن أن نضمن ذلك في سوريا، وهي مشكلة يجب أن يبحثها السياسيون والعسكريون العراقيون ودول التحالف الدولي بعناية لسبب بسيط هو أن طرد “داعش” من الموصل وأية منطقة عراقية معناه انتقال مسلحيه عبر الحدود الى قواعده الرئيسية في الاراضي السورية وفي مدينة الرقة بالتحديد.
بشكل علمي، عندما نتحدث عن هزيمة “داعش” في العراق لا يعني ذلك هزيمة هذا التنظيم في سوريا لأنه لا توجد قوة برية كالجيش العراقي تقاتل التنظيم بهذه الشجاعة والارادة والتضحيات على الاراضي السورية.
من الناحية الستراتيجية، تعد هزيمة “داعش” في العراق تطورا نوعيا سيحتاج الى متطلبات حيوية لمرحلة ما بعد “داعش” في الاراضي العراقية، فمنطقة الحدود مع سوريا ستبقى منطقة اشتباكات ويمكن للتنظيم أن يشن حرب استنزاف طويلة على القوات المسلحة العراقية، كما ان بقاءه في سوريا قوياً يعني أن عمليات التجنيد وارسال الانتحاريين الارهابيين الى العراق ستستمر دون توقف.
بدقة، يجب على القيادة العراقية أن تتحدث من الآن ببعد نظر يسمح بهزيمة “داعش” في العراق وسوريا والمنطقة، لأن القناعة السياسية العراقية كانت من البداية تحذر من أن الارهاب الذي كان يضرب المدن العراقية سينتقل الى دول اخرى وهذا ما حدث بالفعل، فـ”داعش” يتمدد الى لبنان واليمن وليبيا وتونس ومصر وهو يهدد ايضا أمن المملكتين السعودية والأردنية.
بصراحة، هنالك اجماع اقليمي ودولي على هزيمة “داعش” في العراق لأسباب سياسية تتعلق في جوهرها بأن النظام السياسي العراقي يسعى الى تعزيز آليات وقيم الحكم الديمقراطي، فجميع الفرقاء السياسيين برهنوا عندما تشكلت حكومة حيدر العبادي بأنهم حريصون على بقاء هذا النظام الديمقراطي وبنائه. في المقابل، لا يوجد هذا الاجماع الاقليمي والدولي لهزيمة “داعش” في سوريا وبالتالي على القيادة العراقية أن تفكر بلعب دور سياسي مهم في بلورة مثل هذا الاجماع لأن من مصلحة العراق أن ينتهي “داعش” في سوريا على وجه الخصوص.
في المضمون السياسي، لا يمكن أن نتحدث عن شراكة دولية مع النظام السوري في أية حملة برية ضد “داعش” في الرقة بدعم جوي دولي لأن هذا النظام لا يزال مصراً على بقاء الأسد في السلطة، وبالتالي فان المجتمع الدولي على الأرجح ليس مستعداً لعقد هذه الشراكة مع الأسد حتى وان تعلق الموضوع بمحاربة “داعش” لأن هنالك دولاً اقليمية وغربية لا تريد ان يكون ثمن محاربة الارهاب في سوريا بقاء الأسد في السلطة، كما أن شريحةً واسعة من المعارضة السورية بما فيها المعارضة في الداخل والتي تتعامل مع النظام لا تريد أن تخير بين بقاء الأسد وبين ذهاب “داعش”.
وهذا يعني بأن الحرب على “داعش” في سوريا، قد تواجه تراجعاً أو انفراطاً للتحالف الدولي وربما تعود بعض الدول الاقليمية الى سياسة السماح بتدفق التكفيريين الى سوريا للضغط العسكري على النظام السوري وكسر تعنت رئيسه الأسد ولذلك على القيادة السياسية العراقية أن تعي تداعيات مثل هذه الأزمة المطروحة بالنسبة للمعركة ضد “داعش” في سوريا لأنها ستتنتهي الى عودة تدفق الارهابيين الى العراق.
ولذلك على القيادة العراقية أن تتحرك بجد لمحاربة “داعش” والانتصار عليه خارج العراق بعد الانتصار عليه نهائيا داخل العراق، ولن يتسنى لها ذلك إلا بدور عراقي بناء لصياغة توافق اقليمي ودولي على تسوية سياسية في سوريا ترسخ نظاماً ديمقراطياً بالتزامن مع ضربة مميتة لـ”داعش” في هذا البلد العربي الذي أثبت بأن حربه الداخلية منذ آذار 2011، كانت وراء تقوية التطرف والارهاب وتمددهما في المنطقة بهذا المستوى الخطير والمعقد.

Related Posts

LEAVE A COMMENT