دماء وحكومات وشعوب

احمد الجنديل

أن تَتمتع حكومة باحترام الدول لها، فهذا مرهون بطبيعة العلاقات التي تربطها مع دول العالم، وبمقدار خدمة الحكومة لشعبها والحرص على مصالحه، وبقدرتها على إتقان فنون الإدارة الناجحة مع المنظومة الدولية، ومع الشعب الذي تقوده تلك الحكومة.

بالأمس القريب، نفذت عصابات داعش الإرهابية جريمة حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، ومع الإعلان عن تنفيذ الجريمة، هبّت الدول تعلن استنكارها وشجبها لهذا الفعل الجبان، مجلس الأمن يستنكر، والجامعة العربية تدين، والبيت الأبيض يتوعد، والأسود يهدد، والبرتقالي يحذر، ورؤساء حكومات سارعت إلى إرسال برقيات التعازي، ورسائل الأسف، وأعلنوا عن غضبهم لما حصل من جريمة هزّت الضمير العالمي، وزراء خارجية وداخلية وما بينهما، وأحزاب، وشخصيات، ومنظمات على مختلف أشكالها وألوانها، وتيارات دينية وعلمانية، جميعها شمرّت عن سواعدها، معلنة التضامن مع الحكومة الأردنية، البعض وصفها جريمة بحق الإنسانية، والبعض الآخر قال أنها جريمة بحق الإسلام، وأطراف نعتتها بالفعل الخسيس، وجميع العقلاء والشرفاء يؤمنون بأنّ ما حصل للطيار الأردني، هو جريمة نفذتها عقلية سادية تتلذذ بدماء الآخرين.
وعلى صعيد الفعل الحكومي والشعبي، فملك الأردن يقطع زيارته لواشنطن حال سماعه بنبأ قتل الكساسبة بهذه الطريقة الوحشية، وحشود شعبية تستقبل ملكها في مطار الملكة علياء، وغضب شعبي عارم يسيطر على الشارع الأردني، والحكومة تتوعد برد مزلزل، ووزير الخارجية يؤكد أنّ الإرهابيين سيرون غضب الأردنيين، ولكي تترجم الأفعال إلى أقوال، ويكون الرد حاسماً، تمّ إعدام ساجدة الريشاوي والكربولي، وانطلق سلاح الجو الأردني يدك معاقل داعش وأوكاره على أرض العراق، صاحب السيادة المهيبة، والاستقلال العظيم.
وبالأمس القريب، نفذت عصابات داعش الإجرامية جريمة الإعدام بـ1700 عراقي في محرقة سبايكر، فلم يتحرك الجفن الأمريكي، ولم يرتجف الشارب العربي، ولم ترفع الحكومة ذيل ثوبها احتراما لهذا العدد الهائل من الشهداء، ولم يقرأ أحد سورة الفاتحة على أرواح الأبرياء، ولم يخرج الشعب منددا بهذا الفعل الهمجي الوحشي الجبان.
كانت الجثث تتراكم، والدماء تسيل، والأرواح تغادر أجسادها، في مشهد يندى له جبين الحيوان قبل الإنسان، وحكومتنا الراشدة الرشيدة المرشدة تتصارع فيما بينها حول اقتسام خيرات العراق، وتتبادل الاتهامات حول عدد السرقات وضخامة الأموال المنهوبة من حصة الفقراء والمساكين من شعب العراق.
وزراء، وأصحاب بنوك وكتل سياسية، أعلنوا عن أسفهم لما حصل، وكأن ما حصل في بلاد الهند والسند، وبعضهم ذرف دموع التماسيح، وهو مشغول بمراجعة أرصدته ومشاريعه، ولا زال الشعب ينظر إلى تلك المجزرة، كما ينظر إلى مشهد مثير من أفلام رعاة البقر، ومع كل المواقف المخزية مرّت هذه الجريمة وفق قاعدة: (فلا خبر جاء ولا وحي نزل).
يا لرخص الدم العراقي، عندما يغسل الأرض دون أن يلتفت إليه أحد، ويا لبؤس الحكومة عندما تضع الشعب مشاريع تضحية من أجل أهدافها البائسة، ويا لمحنة الشعب الذي لا يعرف الطريق المؤدي إلى حريته.

Related Posts

LEAVE A COMMENT