“داعش” والموصل… سباق الحرب والمفاوضات!

داود البصري
في واقع عراقي مر, وفي ظل ظروف تشاحنات داخلية عويصة, وانسداد تام لأفق أي اصلاحات ومبادرات تتجاوز الواقع الحالي ثمة أمور عديدة تجري في السر والعلن وسباق فظيع يجري بين الحرب والديبلوماسية والاتصالات السرية من أجل تغيير بعض الوقائع الميدانية, والحروب الميدانية الطاحنة الجارية في العراق حاليا والتي أنتجت للأسف تصفيات طائفية مريعة كما فعل تنظيم فيلق “بدر” بقيادة هادي العامري في مجزرة مروعة في قرية بروانة وذهب ضحيتها أكثر من78 مواطنا عراقيا بريئا قتلوا بدم بارد قد أسست لواقع صراع بائس بات العراقيون يعيشون تحت نيرانه الحارقة, فالدولة العراقية قد تراجع أداؤها لدرجة مريعة بعد حالة الانهيار العسكري والأمني ثم الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي زادت من ارتباك الدولة في تسيير شؤونها اليومية لدرجة أن الجيش العراقي نفسه لم يتسلم عناصره رواتبهم منذ ثلاثة شهور ويزيد. كما أن خطط البناء وكل المشاريع الخدمية قد تعطلت وذهبت مع رياح الافلاس التي باتت تؤشر الى واقع مر ومستقبل بائس, فالموازنة الرسمية للدولة التي أقرها البرلمان بسرعة خيالية هي في حقيقتها موازنة وهمية لكونها وضعت افتراضيا وليس واقعي!! وفي ظل هرجلة ادارية وفشل حكومي غير مسبوق وتشاحنات وصراعات وخلافات ليس بين المكونات العراقية المختلفة فقط بل بين المكون الواحد أيضا, كما حصل في انفجار الأوضاع والصراعات بين أحزاب السلطة وميليشياتها المسلحة التي أشعلت وسط بغداد وقابلة للتوسع لتشمل بقية أجزاء العراق, وليس سرا ان انتشار السلاح وتعدد المرجعيات المسلحة وتراجع أداء الدولة وحالة المواجهة الميدانية مع التنظيمات المسلحة قد أدت بمجموعها الى عسكرة كاملة للمجتمع العراقي الذي يعيش منذ ثمانينات القرن الماضي أجواء الحرب وطقوسها وأخلاقها حتى نشأت أجيال عراقية لاتعرف معنى للحياة بعيدا عن فوهة البندقية. كما أن حالة الانقسام الطائفي التي تكرست وتعززت مع الاحتلال الأميركي وانهيار الدولة العراقية قد رسمت خطوطا دموية حمراء على الرمال العراقية الملتهبة!, العراق اليوم يعيش صراعا حادا مع الزمن من أجل تصحيح الأوضاع الخطأ التي شكلت الصورة الأساسية للمرحلة الأخيرة من حكم نوري المالكي الذي ترك البلاد والعباد في أسوأ وضع يمكن أن يعيشه أي بلد في العالم, فخروج أجزاء واسعة من شمال العراق عن سيطرة الدولة المركزية وتمكن تنظيم “داعش” من التمدد والهيمنة على محافظات صلاح الدين والموصل قد فرض تحديات شرسة على حكومة حيدر العبادي التي تجد نفسها ملزمة باعادة ألأوضاع الى ماكانت عليه قبل العاشر من يونيو من العام الماضي عبر الاسراع في تحرير الموصل وطرد “داعش” وبين عدم تمكنها من تحقيق ذلك الهدف لنقص الامكانيات اولا, ولعدم توافر الارادة السياسية ثانيا, فليس سرا ان هناك محاولات حثيثة تجري من بعض الاطراف العراقية في محاولة اقناع “داعش” بالانسحاب من الموصل مقابل فدية مالية وصلت لمليارات عدة من الدولارات, وان المفاوضات جارية بهذا الاتجاه!, خصوصا وان التحالف الغربي نفسه يؤكد ان ليس في الأفق حل عسكري سريع وان الحرب قد تستغرق أكثر من خمسة أعوام للقضاء على “داعش”, وهو سقف زمني لم تعد حكومة العراق تستطيع احتماله بسبب الأزمة الاقتصادية أولا وتعقيدات الوضع الميداني ثانيا,التي تسببت باندلاع حساسيات طائفية ونيران فتنة داخلية متوقدة وتهدد بحريق عراقي شامل قد تكون له امتداداته الاقليمية!, فالميليشيات الطائفية قد توحشت وتغولت ومقترح اعادة تنظيمها تحت مسمى “الحرس الوطني” سيعني تأسيس جيش مواز للجيش الحكومي ولكن بصبغة طائفية صرفة وخطيرة!, فقد بدأت تتردد بوضوح صيحات الثأر والانتقام الطائفي بعد المجازر المتنقلة, وصفحات الحرب الدائرة في الأنبار حاليا توفر معطيات مريعة عن صورة التقاتل الداخلي العراقي والمعركة في الموصل ان اندلعت فلن تكون سهلة أبدا وهذا ما يدركه قادة التحالف الدولي, فهل سيكون المال بديلا عن السلاح والدماء, وهل ستتمكن الأطراف العراقية المتفاوضة حاليا من تحرير الموصل عن طريق الفدية المالية وبعد معارك صورية يتبعها انسحاب منظم? كل الخيارات والسيناريوهات ممكنة في سيناريو الرعب والدم العراقي الذي تجاوز كل التوقعات.

Related Posts

LEAVE A COMMENT