كراهية الديمقراطية

عصام فاهم العامري

يَبدو أن التفضيل والانبهار بالديمقراطية لم يعد بالمستوى الذي كان قائما قبل عقد من الان، وان نوعا من الكراهية للديمقراطية بدأ يتصاعد في أرجاء مختلفة من العالم. وان الحماسة للديمقراطية التي عادة ما تشتعل في لحظات الانتصار، مثل الإطاحة بالأنظمة الديكتاتورية أو التي لا تحظى بشعبية، أضحت تنطفئ سريعا بسبب أن كثيرا من تجارب التحول الديمقراطي تداعت وانهارت على نحو متسارع. بل والأدهى أن العديد من الدول التي تخلصت من عتاة ديكتاتورياتها تعاني الآن من الاضطراب والفوضى وانعدام الأمن وتردي الأوضاع الاقتصادية. العراق بعد التخلص من ديكتاتورية صدام حسين صار يعاني من مظاهر الحرب الأهلية والفوضى والإرهاب والطائفية والانقسام وزيادة الفقر. ليبيا بعد خلاصها من ديكتاتوريتها تنحدر نحو الفوضى والحرب الأهلية والتراجع الاقتصادي. والنماذج تتكرر فقد أظهر العقد الماضي أن هناك شيئا أسوأ من الديكتاتورية، وأسوأ من القمع وأسوأ من غياب الحريات، صار يبرز. وهذا الأسوأ هو الفوضى والحرب الأهلية، ومع تحرر العديد من الدول من نظم الحكم الاستبدادية، فإن عدد الدول الفاشلة قد ارتفع، وهذا يبين أن البديل عن الديكتاتورية ليس بالضرورة ديمقراطية وإنما هي الفوضى في كثير من الأحيان.
وأحد الأسباب التي جعلت الديمقراطية في الآونة الأخيرة تفشل هو أنها وضعت الكثير من التركيز على الانتخابات والقليل جدا على الميزات الأساسية الأخرى للديمقراطية. وعلى سبيل المثال، يجب أن تُفحص السياسة الاجتماعية بما يمكنها من ضمان توزيع الموارد بشكل عادل. والواضح أن كراهية الديمقراطية صارت تنمو حتى في الدول الغربية التي كانت تعد قلب الديمقراطية في العالم، ومظاهر السخط والاحتجاج التي تسود شوارع المدن الغربية وصعود الأحزاب اليمينية والعنصرية هي تعبير عن الرفض للنموذج السائد للديمقراطية في هذه البلدان. ويفسر الفيلسوف الفرنسي (جاك رانسسير) ما يسميه “الكراهية الجديدة للديمقراطية” في العديد من المجتمعات الغربية، بسبب أن الديمقراطية في هذه المجتمعات، اهتمت بالشكل، وأهملت قيمها وجوهرها وروحها وغاياتها، وهذا ما جعل هذه المجتمعات تعيش في ما يسميه رانسسير “دولة قانون أوليجيكارية”. وقد أظهر استطلاع أجراه معهد لوي عام 2013، أن نحو (48٪) فقط من الشباب الأستراليين الذين تتراوح أعمارهم بين (18-29) هم الذين يفضلون حكومة ديمقراطية عمن سواها من أشكال الحكم. بينما كانت هذه النسبة في استطلاع أجراه نفس المعهد عام 2012 حوالي (39٪) لهؤلاء الشباب الأستراليين في تفضيلهم للحكومة الديمقراطية، بينما تفضل الأغلبية من الشباب الأسترالي في كلا الاستطلاعين أنظمة حكم ليست ديمقراطية. الطبيعي أن تدهور الديمقراطية في قلب البيئة التي نمت وازدهرت فيها، من شأنه أن يساعد في انتكاساتها في المناطق الأخرى. وربما لهذا السبب فإن (جون أربرادلي) رأى في فشل الربيع العربي وتبدد الأمل الديمقراطي فيه يعود في جانب كبير منه إلى أن رياح التغيير الديمقراطي كانت يجب أن تهب على الغرب نفسه قبل أن تنتقل إلى المناطق الأخرى ومنها المنطقة العربية..

Related Posts

LEAVE A COMMENT