بين القتل والإيمان

حسين علاوي

كان الشعار الاول ولا يزال لكل الاديان السماوية هو “لا تقتل”. وتؤكد هذه الاديان أن القتل والعدوان على الناس لا يقترنان بالايمان.. وان صفات المؤمن غير صفات القاتل، فللايمان شواهد ذاتية وموضوعية ويقين وخلق، وخوف شديد من الله.. واتمام حقيقي للدين، والمؤمن ملتزم في حياته الخلقية بالتقيد بوصايا الشريعة الالهية، وليس هذا التقيد مجرد عمل يصدر عنه بشكل آلي، بل هو ايمان قلبي يشعر من خلاله انه ملتزم التزاما عميقا، ومن مقتضيات هذا الايمان العمل للحياة والتعامل السلمي مع الآخر المختلف في الدين والمذهب والفكر والثقافة.. وان غير المؤمن اخ للمؤمن في الانسانية.
والمؤمن الحقيقي له رقيب داخلي ومرشد روحي ونظام خلقي يسير عليه. ويصف احد رجال الدين المسيحيين الشخص المؤمن بالطفل الرضيع الذي يكبر شيئا فشيئا ويغدو بالغا ليصير الانسان الكامل الذي يحقق حلم الانسانية بالسلام، وقد جمعت رابطة الايمان أعراقا متباينة في الالوان والاجناس فألفت بين قلوبهم بعد ان اقتدت بالرسل والانبياء على اساس من الحب والشوق والرضا والعشق الالهي.. ويذكّر القرآن الكريم المسلمين باخوة الايمان، اذ يقول تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) (آل عمران 102)، هذا بعد ان كانت الدماء تسفك بين الأوس والخزرج لاكثر من ست وعشرين سنة فأطفأها الاسلام بعد ان ألف بين قلوبهم.. فالاخوة هي روح الايمان والوعي في قلب الانسان الحي.اما القاتل فهو انسان مريض ومصاب بشذوذ تجار الحروب.. وقراصنة العالم.. ولصوص الانسانية، فهو يحاول بائسا ان يبني مجده على جماجم الابرياء واشلاء الضحايا. يقول الامام محمود شلتوت: (اتفقت جميع الملل والنحل منذ بدء الخليقة، على ان قتل النفس عمدا بغير حق جريمة منكرة لا يقرها شرع، ولا يتقبلها وضع ولا يستسيغها اجتماع). ويستشهد بالآيات الدالة على الحكم الاخروي للقتل، مثل قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء 93). وقوله تعالى في اوصاف عباد الرحمن: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا) (الفرقان 68).
ويعتبر الكثير من الفقهاء ان قتل النفس اي الانتحار، هو افظع انواع القتل.. والرسول (ص) يصور لنا جزاء القاتل لنفسه – اي الانتحاري – بصورة تفعل في النفوس ما لا تفعله الاحاديث الاخرى.. فيقول (ص): (من قتل نفسه بحديدة.. فحديدته بدنه في يده يتوجا بها في بطنه.. اي يضرب بها نفسه.. في نار جهنم خالدا فيها ابدا).
قال تعالى: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) ويقول الرسول (ص): (اول ما يحكم الله فيه يوم القيامة الدماء فيوقف ابناء آدم فيفصل بينهم ثم الذين يلونهم من اصحاب الدماء حتى لا يبقى منهم احد ثم بعد ذلك حتى يأتي المقتول بقاتله فيتخشب في دمه وجهه فيقول انت قتلته؟ فلا يستطيع ان يكتم الله حديثا).وكتب الامام علي (عليه السلام) كتابا الى مالك الاشتر حينما ولاه على مصر قال فيه: (اياك والدماء وسفكها بغير حلها فانه ليس هناك من شيء اجنى لنقمة ولا اعظم لتبعة ولا احرى بزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك دماء بغير حقها والله مبتدئ بالحكم بين العباد في ما تسافكوا من الدماء يوم القيامة فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام فان ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله ولا عذر لك عند الله ولا عندي من قتل العمد).ان النزعة الاجرامية التي تدفع القاتل الى ازهاق ارواح بشرية بريئة من دون حق لو استطاعت ان تقضي على جميع الناس لقضت ومن هنا لم يهمل الاسلام قضية القصاص من اجل الحياة، ففي القصاص من القاتل حياة لسائر الناس لمن يَقتل ومن يُقتل، اما الحياة لمن يَقتل فتتمثل بأنه عندما يعرف ان مصيره يؤدي الى القتل ان قتل احد الناس فانه يمتنع عن ارتكاب الجريمة وبذلك ايضا تحفظ حياة الذي يراد قتله ومن هنا قال تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). ان التجرؤ على قتل الناس الابرياء دليل على خراب الضمير وقسوة القلوب ووحشية الانسان تجاه اخيه الانسان، فلا قتل مع ايمان تدور عليه جميع الامور الدينية، ومقياس للكبائر والصغائر من الذنوب.
وقد يقول قائل ان الايمان انتج حروبا ودمارا على طول المسار التاريخي للبشرية، من خلال تمسك الانسان بمبدأ ديني او مذهبي معين، ونقول ان الايمان الحقيقي يصقل شخصية الانسان المؤمن وروحه ويتجلى بشكل هم نهائي بما جاءت به تعاليم السماء، وهو بعيد عن التعصب القبلي والإيديولوجي للدين. والمؤمن هو من يخشع قلبه وتنهمر دموعه بذكر الله سبحانه وتعالى، الا اننا نعيش الآن في ازمة ايمانية وغشاوة عن النور الالهي، وتجاهل للصوت الذي ينادي للايمان وللحب والرأفة بالانسان. ان الايمان والقتل لا يجتمعان، الا ان الثاني اصبح هو الدين عند البعض بعد ان عجز فاعله عن ان يحقق ذاته ويندمج مع المجتمع.

Related Posts

LEAVE A COMMENT