أسعار النفط والميزانيات العراقية المثقوبة

جمال محمد تقي
منذ عام 2011 وحتى نهاية 2014، تمتع حكام العراق بنعيم الوفرة الدولارية غير المسبوقة، التي سببها حصرا الارتفاع شبه المستقر لأسعار برميل النفط المصدر إلى الخارج، والتي تراوحت بين 75 ـ 100 دولار، حتى بلغ مجموع إجمالي مبالغ الميزانيات المعلنة لتلك الأعوام حوالي 454 مليار دولار.
هذا من دون حساب الفائض التصديري، الذي يحسب من زاويتين، الأولى زيادة الكميات المصدرة، والثانية زيادة الاسعار عن الحدود المقدرة في الميزانيات المعلنة، على اعتبار ان معدل التصدير التخميني يتراوح بين 2 ـ 25 .2 مليون برميل يوميا، وكل المؤشرات تؤكد ان هناك مدورا لا يقل عن 25 مليار دولار في كل عام من هذه الاعوام ناهيك عما تم تدويره من ميزانيات اعوام 2010 وما قبلها.
لا يعني ذلك ان حكام العراق لم يكونوا منعمين من عائدات النفط للاعوام التي سبقت الطفرة السعرية تلك، فلم يكن هناك اي اختلاف عن الفترة اللاحقة، اي غاب عن مفردات صرفها والتصرف بها النزاهة والشعور بالمسؤولية، فلا نهج استثماري جدي ورزين ومخطط، ولا صرف مقنن ومراقب، ولا كشف بالحساب العام والخاص، وعليه كان العراق في كل تلك الاعوام يتصدر قائمة الدول الفاشلة والفاسدة والعشوائية والاقل نموا وتراكما، فالمخصص التشغيلي الذي يأكل ثلثي الميزانيات، يذهب للرواتب والمصروفات الثابتة، وهو يتمتع بفضائية قل نظيرها، اي بتزوير حجم الاعداد والمصروفات الوهمية لصالح المتنفذين في الجهاز الحاكم. اما المخصص الاستثماري فهو يتراوح فعليا بين 30 إلى 40٪ من اجمالي الميزانيات المقررة، ويذهب معظمه لتحسين مجالات انتاج الطاقة، لزيادة معدلات انتاج النفط وتصديره، وكذلك زيادة انتاج وتوزيع الكهرباء، اضافة إلى مجالات الاستثمار في السلاح والتسلح الامني، والحقيقة ان الحكومات المتعاقبة منذ 2003 وحتى الان فشلت فشلا ذريعا في المجالين المذكورين، فحتى الان العراق يستورد الغاز والبنزين والكهرباء من ايران الراعية للفساد المباشر في مجال الطاقة في العراق، لان ذلك يصب بمصالحها الحيوية. اما التسليح فالامريكان لا يريدون جيشا عراقيا قويا يحمل راية الوحدة الوطنية، بل جيوشا محلية كردية وشيعية وسنية، تكون مقدمة للتقسيم الذي يتوافق مع المنطق الطائفي لحكام بغداد. واذا استعرضنا صفقات التسليح الفاسدة للحكومات المتلاحقة مع البلدان الاخرى كروسيا واوكرانيا وبلغاريا وبولونيا، وحتى مع ايران ذاتها التي أعارت العراق بعضا من طائراته القديمة التي كانت لديها اثناء حرب الخليج الثانية، فاننا سنصاب بالدوران من دورة الفساد التي أهدرت مئات المليارات من الدولارات، والنتيجة كانت، تسليحا مهلهلا لجيش فضائي غنمت «داعش» كل ما لديه.
بحسب احمد الجلبي وهو احد العارفين والمستفيدين أيضا، فان ميزانية العراق منذ عام 2004 وحتى 2012 بلغت ما يعادل 500 مليار دولار، وبحسبه ايضا، فانها لم تصرف بصورة صحيحة، وهذا يعني اننا اذا حسبنا مبالغ كل الميزانيات مجتمعة حتى نهاية عام 2014 فاننا نجد ان هناك اكثر من 800 مليار دولار، حصيلة رسمية مثبتة في ميزانيات العراق منذ احتلاله حتى عام 2014، والفضيحة التي يتفادى الحديث عنها اصحاب تلك الميزانيات غياب اي حسابات ختامية لها واوجه الصرف ونتائجه ونسب الجدوى من انفاقها.
المفارقة هنا انه كلما ازدادت نسب المخصصات المتعلقة بالتشغيل والاستثمار، قلت نوعية وكمية الخدمات العامة بكل اشكالها، وقلت معها كفاءة القوات المسلحة ومفردات البطاقة التموينية، والسبب واضح ويمكن تبيانه من خلال تذكر بعض من الامثلة الحية، كمهزلة صفقات اجهزة كشف المتفجرات، وفضيحة عمولات صفقة السلاح الروسي وصفقات الاغذية الفاسدة، وايضا من خلال معرفة ارقام الاميين الجديد من الاطفال الذين يعدون بالملايين، ومن خلال اعداد سكان العشوائيات المنتشرة في اغلب المدن العراقية، واعداد العاطلين عن العمل، واعداد المهجرين قسرا لاسباب طائفية واثنية، ان الاوضاع كارثية بكل المقاييس.
لا نذيع سرا اذا قلنا بان هناك ميزانيات سوداء تعتمدها الاحزاب الحاكمة، كلا على انفراد، مواردها تشفط من الميزانيات المعلنة ومن النفط المهرب ومن عمولات الصفقات ومن المقاولات الباطنية ومن الاعداد الفضائية للحمايات والمصروفات والنثريات ومن التمويل الخارجي، فالاحزاب الحاكمة في كردستان تبيع النفط المهرب تارة بالشاحنات الحوضية، وتارة بخط الانابيب الذي هجنته من الخط الرسمي، ووجهاء تلك الاحزاب وحتى صفها الثاني والثالث لم يدخروا جهدا للجمع بين المال والسلطة، زيادة في الحصانة من أي حسيب او رقيب، فغالبيتهم دخل مجال المال والاعمال مستفيدا من المناخ الفاسد السائد، الذي يتيح لهم كسب الملايين والمليارات التي تهرب للخارج لشراء العقارات أو شراء الذمم في الداخل، بعضهم تخصص بالاستيلاء على العقارات التي تركها اصحابها بعد الاحتلال خوفا على حياتهم، وبعضهم تخصص بسرقة الأراضي، كما حصل مع اراضي مشروع المالكي في منطقة بسمايا العائدة ملكيتها لعائلة الشخصية المعروفة عبد الكريم الندا، وهناك من هو متخصص بتوفير الغطاء السياسي لشركات الاتصال، المحمول، وبعضهم اصبح من كبار التجار الذين سجلوا ممتلكاتهم باسماء الاخوة والزوجات والابناء، حيث سرقوا بنوك الدولة ومخازن مؤسساتها اثناء ايام الاحتلال الاولى.
تأتي ميزانية عام 2015 واسعار النفط قد انحدرت إلى حوالي 55 دولارا للبرميل الواحد، ومع اعلان وزارة النفط العراقية ان انتاج النفط ارتفع منذ شهر ديسمبر إلى حدود 9. 2 يوميا، وبحسب الاتفاق النفطي بين حكومتي بغداد واربيل فان الاقليم سيصدر 250 الف برميل يوميا من حقول الاقليم و300 الف برميل يوميا من حقول كركوك لمصلحة الميزانية العامة، لان قسما من خط انابيب كركوك جيهان يقع حاليا تحت رحمة «داعش». أما انبوب الملحق الكردي فهو مازال تحت سيطرة البيشمركة، مقابل حصول الاقليم على 17 بالمئة من اجمالي الميزانية الجديدة التي تقدر بحوالي 100 مليار دولار، وبعجز يصل إلى 40٪ يؤمل ان يسد بواسطة زيادة الانتاج لتصل لحدود 6.3 مليون برميل يوميا، لكن العجز سيبقى كبيرا بسبب الانخفاض المتواتر لسعر البرميل، ويبدو ان اجراءات التقشف غير الجدية التي اعلنتها الحكومة لن تسد الا نسبة 5٪ من هذا العجز الذي قد يتصاعد ليصل إلى حد 50 مليار دولار، اي ما يعادل نصف الميزانية المفترضة، وكما اشارت تقارير وزارة النفط والمالية ومجلس الوزراء فان نسبة 23٪ من تلك الميزانية ستذهب للامن والدفاع، والمتبقي كالعادة للخدمات وقطاع الطاقة والرواتب والمصروفات الثابتة.
عيوب الميزانيات العراقية منذ 2004 وحتى الان تتعدى موضوعة ثقوبها التي تؤدي باستقرار الاموال في جيوب غير مستحقيها وعدم دقتها وخلوها من الحسابات النهائية الواضحة وعدم احترام المسؤولين عنها للمواقيت التي يجب أن تقر بها، كما حصل مع ميزانية 2014 التي لم يقرها البرلمان بعد، إلى كونها مجرد ارقام تخمينية غير دقيقة لعائدات النفط المقسمة اصلا إلى حصص، بعضها معلن والاخر غير معلن، 17٪ للاكراد والمتبقي نسبة ثلثين إلى الثلث بين حكام بغداد من الاحزاب الطائفية الشيعية وما يسمى بممثلي السنة في بغداد، فاذا علمنا بان النزوح الذي وصل تعداده إلى اكثر من مليونين هو من تلك المحافظات، وان اغلب البنى التحتية من مساكن ومدارس ومستشفيات وطرق وجسور ومعامل قد تضررت نتيجة المواجهات القمعية للجيش والميليشيات الحكومية مع اهالي هذه المحافظات المستائين، ثم للحرب الحالية الشاملة ضد تنظيم «داعش» الارهابي، فاننا سنكون على علم اليقين بان مخصصات المحافظات الست ستأكلها الميليشيات الطائفية تمويلا وتسليحا، وان الدفع بالاجل سيكون حصة النازحين وحصة الاعمار لمحافظاتهم المنكوبة.
لو كانت هناك ارادة وطنية سائدة، فعلى هذه الميزانيات تجنب سياسة اللعب بالارقام والالفاظ لتتطهر من كل الانفاس التقسيمية طائفيا واثنيا، ووضع اساس من اجل التكامل والاعمار والتخصص الانمائي، لا من اجل تحاصص الاقوياء والضعفاء، في وضع فيه ثلث البلاد خارج عن سيطرة الدولة واكثر من ثلثي السكان يعانون من الفقر والعوز والنزوح والتشرد والتمييز.
العراق بحاجة إلى ميزانية طوارئ تنقذ ما يمكن انقاذه، بحاجة إلى استرداد الاموال التي نهبها الساسة واعوانهم، بحاجة إلى تخفيض فعلي يصل إلى نصف رواتب الطواويس الذين يبسطون ريشهم المزركش بالنياشين الفضائية على كل المراتب العليا من الرئاسات والدرجات الخاصة والمديرين العامين مرورا بالوزراء واعضاء البرلمان والسفراء، بحاجة إلى شعور وطني وحمية عراقية واحساس عال بالمسؤولية، فهل هذه الحاجات متوفرة لدى اصحاب القسمة والنصيب، أم أن من لا يملك لا يعطي؟

Related Posts

LEAVE A COMMENT