النزيف الإيراني المهلك في العراق

داود البصري
يبدو جليا أن التاريخ يكرر نفسه ولكن بصورة أشد مأسواية في العراق المتناحر حاليا وبشكل فظ بعد أن تحولت الصراعات السياسية لحروب طائفية متنقلة استدرجت بعض دول الجوار إضافة الى التحالف الدولي الذي جعل من العراق سجادة للقصف الجوي اليومي وقاعدة عسكرية عملياتية لإدارة الجهد العسكري وتجربة الأسلحة المختلفة والمتنوعة, لكن قصة التدخل الايراني المتزايد في العراق هي من أكبر القصص وأشدها سوريالية وأكثرها غموضا في النتائج المستقبلية القريبة , فبداية هذا التدخل الإيراني كان من بوابة دعم الجماعات والميليشيات الطائفية العراقية التي أسستها إيران خلال عقد الثمانينات من القرن المنصرم وإستفادت من بعضها خلال مرحلة الحرب الطويلة مع العراق (1980/1988) مثل جماعة “فيلق بدر” التابعة للحرس الثوري والتي يقودها اليوم هادي العامري فيما يشرف على جميع نشاطاتها وهياكلها قائد “فيلق القدس” للحرس الثوري السردار قاسم سليماني, هذه الجماعة بالذات هي حاليا البوابة التي دخل من خلالها الجهد العسكري الإيراني للعراق , وهي الجهة التي تقدم الخسائر البشرية الكبرى واليومية والتي شهدت تصاعدا مضطردا في الأعداد والعدة , فمعارك العراق المتنقلة والتي بدأت من الأنبار ثم تواصلت في ديالى وسامراء وصلاح الدين والموصل وكانت قمتها في سقوط المؤسستين العسكرية والأمنية العراقية في العاشر من يونيو الماضي قد أسست ومنذ أيام المخلوع نوري المالكي قواعد تدخل إيرانية فاعلة في الشأن العراقي من خلال تسليح الميليشيات الطائفية وتدريبها من قبل خبراء الحرس الثوري وإعدادها كبديل عقائدي جاهز ومضمون عن الجيش العراقي المشكوك بولاءاته الطائفية أصلا , في خطة إيرانية بعيدة المدى هدفها الرئيسي تشكيل مؤسسة الحرس الثوري العراقي وتحت القيادة الإيرانية المباشرة, وفعلا ظهرت جماعة عصائب أهل الحق وجيش المختار وألوية أبوالفضل العباس وغيرها التي شاركت في معارك قمع الثورة السورية في ريف دمشق وحتى حلب ! ثم عادت للعراق تحت غطاء الحشد الشعبي للمشاركة في العمليات القتالية وفي عمليات التطهير الطائفية المتوالية في حزام بغداد وفي محافظة ديالى بل أن الموقف تطور كثيرا بإسناد إيران القيادة الميدانية للحشد لرجلها في العراق وهو أبومهدي المهندس ( جمال جعفر إبراهيمي ) المطلوب للولايات المتحدة والمحكوم بالإعدام في دولة الكويت لنشاطاته الإرهابية هناك في ثمانينات القرن الماضي? وأبومهدي هو لذراع اليمنى للجنرال الإيراني قاسم سليماني والذي أعلن هادي العامري شخصيا وعلنا بأنه لولاه ماكانت هنالك اليوم حكومة قائمة في بغداد!, وهو تصريح خطير له مغزاه المباشر في كون اليد العسكرية الإيرانية الطويلة قد أضحت عنصرا فاعلا من عناصر حفظ الأمن في العراق!, الإيرانيون أعلنوا صراحة عن خطوطهم الحمراء في العراق والتي تتجاوز موضوع حماية المراقد المقدسة! فالمعارك لاتدور هناك بل في أماكن أخرى? كما قدم الإيرانيون خسائر كبيرة بين صفوف قادتهم الميدانية كان آخرهم وليس أخيرهم المدعو مهدي نيروزي أحد قادة تعبئة المستضعفين “الباسيج ” في معارك سامراء وهي التي قتل فيها أيضا الجنرال الحرسي الأحوازي حميد تقوي مع عدد من عناصر الحرس الثوري , النظام الإيراني بات يغرق تدريجيا في أوحال العراق ورماله المتحركة , والموقف العسكري الإيراني شبيه بموقف الجيش الأحمر السوفياتي قبل التورط في المستنقع الأفغاني عام 1978 وما تبع ذلك بعد سنوات قليلة من إنهيار للإتحاد السوفياتي! التجربة تتكرر والإيرانيون لن يقبلوا الهزيمة التكتيكية في العراق, فالستراتيجية الإيرانية باتت تشير بوضوح لكون العراق هو خط الدفاع الأول والأخير عن تخوم نظامهم!, ولا أستبعد أبدا في ضوء نتائج العمليات العسكرية الجارية أن تعلن إيران كل العراق بمثابة محطة عسكرية إيرانية وترسل القوات المشتركة في الجيش والحرس الثوري اليه في خطوة ستغير الكثير من قواعد لعبة الحرب والسلام والكر والفر القائمة حاليا… إيران بصدد القيام بخطوة كبرى في العراق والخليج العربي , فخسائرها قد دخلت في المحظور والأيام المقبلة تحمل الكثير من المفاجآت… المنطقة على كف عفريت.

Related Posts

LEAVE A COMMENT