مهمشون مع سبق الإصرار

احمد الجنديل
ما بين هدير التصريحات الكاذبة، وفقدان كفاءة المسؤول، وبين واقع مرير لا ترى من خلال نوافذه وثقوبه غير حالات الفساد والجشع والتخلف، بدأت العملية السياسية تستعين بعكازين نتيجة إصابتها بالعجز والشلل، في بلد ما عاد يعرف النخوة والبسالة والشجاعة في معالجة ما يعاني منه من أمراض خطيرة.
القائد السياسي، لا يعرف معنى القيادة، وهو يضع على رأسه شعار (العدل أساس الملك) وعندما نلتفت إليه، نجد أن هذا القائد يسير بالاتجاه المعاكس للشعار الذي وضعه فوق رأسه، والوزير الذي أنيطت به مسؤولية الوزارة يتحدث بلغة مغايرة لما يحصل في وزارته، وعلى السير في هذا الطريق الأعوج، بدأ الشعب يحصد هزيمته وخيبته وانكساراته.
يتخرج الطالب العراقي من الإعدادية وسط زغاريد الأهل والأصدقاء، وتبدأ رحلة العناء ترافقه وهو يضع قدميه على أبواب الجامعة، فالأب يعاني من ثقل نفقات ابنه الجامعي، والأم مشغولة بالدعاء وتوفير وسائل الراحة لابنها لكي يجتاز دراسته بسلام، والابن يرى معاناة عائلته فيحث خطاه نحو النجاح، ومع انتهاء مرحلة الجامعة وتخرجه، تكون العائلة مثقلة بالديون وقد استنزفت كل ما لديها، ومع اخضرار الأمل في النفوس، وانطلاق مسيرة البحث عن وظيفة مناسبة للخريج الجديد، يصطدم الأهل بأن فرص الفوز بالوظيفة المنشودة، ما هو إلا حلم من أحلام الصغار، وأن الطرق جميعها مغلقة بوجه تحقيق هذا الحلم، ومع كثرة المراجعات، وإتباع طريق الرشوة والتقرب إلى أصحاب النفوذ بكل الطرق الشرعية وغيرها، تكون الصدمة الثانية عندما يكتشف الخريج الحالم، والذي دفع من أجل الحصول على شهادته فواتير باهظة من حياته، بأن الأبواب مفتوحة للصعاليك والأغبياء والأميين الذين امتلأت بهم دوائر الدولة، وموصدة بوجه أصحاب الشهادات والكفاءات من الخريجين، عندها تبدأ الثورة تعتمل في نفسه، فيترك شهادته جانبا ويلتحق بالعمل في بيع السكائر، أو مسح الأحذية، أو ينخرط في صفوف عمال البناء، ومن يحالفه الحظ يصبح شرطياً.
ومع تزايد عدد الخريجين تزداد وتائر الكره للحكومة التي مارست الكذب عليه من خلال شعارات العدل والإنصاف، ومع تزايد مساحة الحقد مشفوعة بحالات العوز والفقر، تنتشر الجرائم عند البعض، ممن يجد الحاضنات مهيأة له ليمارس فيها شتى أنواع الجرائم.
لقد كشفت الأحداث عن ضياع وسرقة عشرات المليارات من الدولارات التي بإمكانها أن تمنح هؤلاء الخريجين حياة هادئة مستقرة من خلال زجهم في مشاريع صناعية وزراعية وتعيينهم في دوائر الدولة، بدلا من فيالق الأميين الذين لا همّ لهم سوى عرقلة مسيرة الحياة، وامتهان الرشوة والسرقة في وضح النهار.
الخريجون وهم يعانون التهميش المتعمد، وعدم الالتفات إليهم، ومعالجة أوضاعهم، يرسمون طريقاً أوضح ما فيه أنّ الحكومة هي المسؤولة عن خلق الجريمة، وهي السبب في انتشار كل صنوف الانحراف الأخلاقي، وهي الخالقة للمناخ الأمثل الذي ينمو فيه الإرهاب بطريقة مريحة..
إلى اللقاء

Related Posts

LEAVE A COMMENT