أي رسالة؟

محمد عبيد*
دليل جديد أضيف حديثاً للأدلة الدامغة على حقيقة تنظيم “داعش” الإرهابي، الذي ما زال يحاول إيقاع كثيرين في حبائل دعايته المكذوبة المتسترة بالدين الإسلامي، تمثل في ما أقدم عليه الإرهابيون في العراق من نسف مسجد السلطان ويس، الذي شيد في أواسط القرن التاسع عشر، وهو أحد أقدم مساجد الموصل التي يستبيحونها منذ يونيو/ حزيران الماضي .
إلى جانب ذلك، أقدم مسلحون مجهولون على اغتيال 4 أئمة مساجد في محافظة البصرة الجنوبية، التي لم تصلها نيران “داعش”، ما يشي ببوادر لتسرب التطرف ودعاته إلى هذه المدينة العراقية المهمة والتاريخية .
والواضح من خلال استهداف مساجد الموصل ونينوى، حيث أعلن التنظيم عزمه على نسف 10 مساجد أخرى، وأقدم على تدمير أجزاء من قلعة تلعفر التاريخية، وتزامنها مع اغتيال أئمة المساجد في البصرة، رغم أن الأحداث قد لا تكون مترابطة بالضرورة، أن هؤلاء الإرهابيين صعدوا استهدافهم لكل رمز من رموز وسطية واعتدال الإسلام، وأنهم ماضون في مشروع تشويه صورة هذا الدين القائم على العدالة والخير والتسامح .
أي رسالة أراد مسلحو التنظيم الإرهابي إيصالها مع دخول العام الجديد يومه الأول؟ ولأي هدف أو غاية تستهدف المساجد وتنتهك حرماتها بهذه الطريقة البشعة؟ وما الذي يريد هؤلاء أن يصلوا إليه عبر تدمير تاريخ العراق العريق، وحضارته الإنسانية، التي شملت على مدى قرون مرور مئات الدول والحضارات والشعوب التي تركت علامات بارزة في بلاد دجلة والفرات؟
الرسالة واضحة، ومفادها أن التنظيم المتطرف صعَّد وتيرة مخطط تدمير التاريخ، وبناء كيان قائم على الرعب والإرهاب والتشدد، وأطلق العنان لشذوذه ليضرب الكل العربي والإسلامي في العراق وغيره، وهذا يحمل مؤشرات على ضعف وتراجع نفوذ، وعجز عن مجاراة الأحداث التي بدأت تنقلب ضد التنظيم ومخططاته، ورغم أن ذلك غير واضح تماماً إلا أن الفترة المقبلة ستكشفه وتؤكده، وستضع بداية لنهاية هذه المجموعة المارقة الخارجة على التاريخ والدين والإنسانية .
حجم الدمار الذي أحدثه هؤلاء والذي سيحدثونه ما داموا قادرين على التفجير والهدم والقتل لن يكون بسيطاً، والجروح الغائرة التي سيخلفونها في الجسد العراقي والنسيج المجتمعي، والتراث الحضاري لن تجد طريقها إلى الشفاء، وستظل شواهد في المستقبل على مرحلة سوداء من تاريخ المنطقة التي مرت بأبشع أنواع الغزو البربري على امتداد تاريخها الطويل .
لكن هذا لا يعني بالضرورة الاستسلام للواقع المرير، الذي طبع هذه المرحلة بالدم والدمار، ويحاول أن يجر المنطقة والعالم إلى مربع انعدام الاستقرار، من خلال التهديد الوجودي الذي يمثله لدول عدة، عبر ما يشكله من مشروع دخيل على شعوبها ومجتمعاتها وتاريخها .
المنتظر أن يشهد العام الحالي وضع حد لهذا التهديد، من خلال هزيمة الإرهاب وقادته، والتوجه إلى إعادة بناء وترميم ما أتت عليه نيرانه ومتفجراته، والنهوض مجدداً بالشعوب والمجتمعات التي اكتوت بنيرانه، وعانت في ظل هجمته البشعة .
الطريق ليس طويلاً، لكنه مملوء بالعقبات، ولا بد من تعزيز ورفع معنويات الشعوب في سياق استراتيجية شاملة للمواجهة، تقوم على إعلاء القيمة الإنسانية، وحفظ القيم الإسلامية من محاولات التزييف والتشويه، المهمة ليست سهلة، لكنها قابلة للإنجاز، ولعل العام الجديد يشهد هذا التحول الذي سيكون تاريخياً .

المصدر: الخليج

Related Posts

LEAVE A COMMENT