حروب الميليشيات العراقية الساخنة!

داود البصري*

ثمة فصول دموية جديدة تجري احداثها الساخنة في العراق المشتبك طائفيا في حروب متنقلة لها اول وليس لها اخر, وهي تلك المتعلقة بانطلاق الصراعات بين القوى الطائفية المتطاحنة في نزاعات الحكم والسلطة والهيمنة.

واعادة ترتيب المواقع الطائفية في صراع داخلي شرس بلغ من البدائية مبلغا مرعبا على صعيد تقرير المستقبل الذي يبدو حالكا في ضوء ما يجري ويدور, فقد تصاعدت مثلا الصراعات بين جماعتي »عصائب اهل الحق« وهي المجموعة القتالية الرئيسية في ما يسمى »قوات الحشد الشعبي« التي تخوض القتال في المناطق العراقية الساخنة تحت ادارة وقيادة وتوجيه ايراني مباشر من ضباط فيلق القدس للحرس الثوري وبين ميليشيا ما يسمى »سرايا السلام« التي يقودها نظريا مقتدى الصدر! وهي ميليشيا مسلحة تمثل استمرارا لجيش المهدي القديم الذي خاض صفحات الحرب الطائفية العراقية الاولى عام 2006!
فميليشيا »العصائب« التي لها حضورها الحكومي داخل اطار »ائتلاف دولة القانون« تتهم ميليشيا الصدر بارتكاب جرائم الخطف والقتل مستعينة بشارات مرور وسيارات الدولة والتسهيلات المقدمة لها! بينما تتهم الميليشيا الصدرية غريمتها »العصائب« بارتكاب جرائم تطهير طائفية في مناطق النزاع, والخلاف ليس جديدا بين الطرفين, بل هو استمرار لقضية الانشقاق الكبير في »جيش المهدي« وانفضاض الشيخ قيس الخزعلي وتياره عن قيادة مقتدى الصدر وتوجهه نحو ايران لتشكيل ميليشيا خاصة هي »العصائب« التي تحولت عصابة طائفية مسلحة بخدمة تطلعات ومخططات رئيس الحكومة العراقية السابق نوري المالكي! وبتوجيه وقيادة ايرانية محضة, وتعدت ادوارها الاوضاع العراقية لتشارك في معارك قمع الثورة السورية في ريف دمشق, وقدمت هناك خسائر بشرية كبيرة, وهي تعتبر في التفكير الستراتيجي الايراني النواة الاولى لمؤسسة الحرس الثوري العراقي التي يطمحون لتأسيسها في العراق لتفرض واقعا طائفيا وسياسيا معينا على الوضع الداخلي تكون فيه السلطة تحت الهيمنة الايرانية المباشرة.
ولكن اين الدولة العراقية, واين موقع حكومة العبادي في صراع وتناحر الملل والنحل والطوائف العراقية, واين المشروع السياسي المدني العراقي الموجه لجميع العراقيين وليس لطائفة منهم فقط? الواقع ان الاحداث والتطورات الاقليمية الكبرى وخصوصا المعركة الاميركية »الطويلة« ضد الارهاب! باتت تفرض نفسها على اوضاع العراق الداخلية بل وتمهد لمتغيرات كبرى ستطال البنية العامة للدولة العراقية وحتى للوجود العراقي ذاته, فمع طول امد المعارك تتعمق الشروخ والانقسامات الطائفية والمجتمعية وتطرح برامج تقسيم حقيقية كانت موجودة ارهاصاتها منذ عام 1980 على وجه التحديد! وتتأطر وتتشكل مقومات واضحة لنهاية شاملة للعراق الذي عرفه العالم منذ عام 1921, ففي ظل التناحرات القائمة برزت مشاريع الاقاليم ومنها اقليم البصرة, مثلا, الذي يعزفون اليوم على انغامه النشاز بهدف تحويل البصرة لولاية طائفية متخلفة بحجة الرغبة في استثمار الموارد المحلية من الثروة البترولية بعيدا عن سطوة بغداد!
رغم ان الوقائع تقول ان ذلك الاقليم سيكون مدخلا لحالة تشظ طائفي مرعبة ستجعل العراق لا يعيش الاستقرار, بل سيعيش حروبا دائمة ومتنقلة.
الحرب ضد الارهاب لن تكسب ابدا عبر الاغراق في الطائفية والتخندقات الضيقة, بل عبر مقاربات وطنية وبرامج بناء وطنية تسمو على الطائفية وامراضها المستوطنة, وصيغها المتريفة الغبية, وحروب الجماعات المسلحة هي تحصيل حاصل لانهيار الدولة المركزية, ولانتشار السلاح بشكل عشوائي, وتفشي مشاريع التقسيم والتشظي وسيادة الافكار الخرافية والممارسات الصبيانية في ظل احزاب طائفية فاقدة لظلالها, ومفتقرة لبرامج انعاش وطنية حقيقية, ولقيادات رثة تتصارع على المغانم والاسلاب.
السبب الرئيسي للانهيار العراقي الشامل هو غياب البرنامج الوطني التحديثي الشامل الجامع المانع القافز على اسوار الطائفية والعرقية الضيقة, وحروب عصابات جيوش الطوائف والملل والنحل, واندماج الحكومة في تشجيع الميليشيات والتمادي في عسكرة الشارع العراقي هي الطريق الاقصر لدروب جهنم المفتوحة مصاريعها على اكثر من اتجاه وخيار. حروب الاسلاب والغنائم والهيمنة على التزعم الطائفي لن تنتهي الا باستعادة الدولة سلطتها الحقيقية, ولكن يبدو وفقا لقراءة جميع المؤشرات ان حكومة العراق الحالية مفتقرة للاسف لقدرات قيادية من شأنها توحيد العراقيين تحت مظلتها… وتلك معضلة وماساة حقيقية في ظل نزيف مستمر وصعود مقلق نحو الهاوية!

Related Posts

LEAVE A COMMENT