سالم الألوسي العارف ببغداد الذي غابت عنه فغاب معها

سالم الألوسي العارف

يغيب عن العراق رواد نهضته واحداً بعد واحد، وكلما فُقد رائد يحار بتعويضه، فأرض البلاد اليوم وبيئتها، السياسية والاجتماعية، لا تلد مَن يعول عليه في النهوض من الكبوة. إنه جيل عراقي وبغدادي، على وجه الخصوص، يندر مثله.

منذ الثلاثينات من القرن الماضي وهو يكافح من أجل النهضة، ونهض العراق به بالفعل، في شتى المجالات، وسالم عبود الألوسي أحد أولئك الرواد، أخذ على عاتقه وزملاؤه النهوض في التوثيق، فمن قبل لم تكن هناك ثقافة توثيق، فكل مؤسسة أو دائرة تتلف ما لديها من الوثائق إذا ضاق بها المكان، وهنا تكمن أهمية تأسيس أرشيف عراقي، الذي عبث به العابثون وأمام أنظار سالم الألوسي، الذي رحل عن عمر ناهز التاسعة والثمانين، يوم 16 كانون الثاني (ديسمبر) 2014.

ولد الموثق والمؤرخ سالم الألوسي ببغداد العام 1925، تعلم الحرف الأول في كتاتيب الكرخ حيث ولد، فقد دخل الكتاب وختم القران ثم تعلم في المدرسة الابتدائية، وبعد إكمال الدراسة المتوسطة والإعدادية، حاول أن يكون طبيباً “لكنه قرأ إعلانا في جريدة البلاد عن وجود حاجة لدليل آثار في دائرة الآثار فتقدم وفاز بالوظيفة وأمضى في الآثار أكثر من 20 عاما جايل وعمل فيها مع نخبة من الآثاريين والأدباء الكبار أمثال الأستاذ ساطع الحصري والدكتور مصطفى جواد والأخوين الأستاذين كوركيس عواد وميخائيل عواد والدكتور ناجي الأصيل والأستاذ فؤاد سفر والأستاذ طه باقر والأستاذ فرج بصمجي والأستاذ ناصر النقشبندي والأستاذ صادق كمونة والأستاذ يعقوب سركيس والشيخ جلال الحنفي والأستاذ أحمد حامد الصراف والأستاذ عباس العزاوي”.

آثار العراق

قد يستغرب القارئ من نشاط الألوسي في الوثائق والتاريخ والآثار والبرامج الثقافية، وهو الذي حصل على شهادة البكالوريوس من كلية في الإدارة والاقتصاد في بغداد منذ العام 1952، أي قبل تأسيس جامعة بغداد بنحو سبعة أعوام، فقد تأسست العام 1959. بعد ذلك عمل فقيدنا أميناً عاما للمركز الوطني للوثائق في وزارة الثقافة والإعلام .

شهد الألوسي البناء وشهد الهدم أيضاً في العراق ومرت عليه الحروب والحصارات، وربما حار بين ضرورات العيش والكتب وأدوات المعرفة الأخرى ولكن اليأس لم يدخله يوما

وبعد نجاحه في تلك الوظيفة أصبح أميناً عاماً للفرع الإقليمي العربي للمجلس الدولي للوثائق، عمل في مجالات الثقافة كمقدم لبرنامج “الندوة الثقافية”، واستمر هذا البرنامج طويلاً، وقد استضاف فيه كبار مثقفي زمنه، كمصطفى جواد وحسين أمين وغيرهما. ومن الوظائف التي تحمل عبئها بمسؤولية معاون لمدير الآثار العام، ومعلوم ما تعنيه مديرية الآثار في العراق، لأن ترابه كافة يضم التاريخ بين ذراته، وكتب بحوثاً في مجلة سومر الآثارية، وقد عد العام 1968 فهرساً لمواد المجلة منذ صدورها العام 1945، وتولى أيضاً منصب معاون مدير عام للإذاعة والتلفزيون، ومدير التأليف والترجمة والنشر بوزارة الثقافة والإعلام، ومدير السياحة العام، وعميد معهد الوثائقيين العرب وكالة.

شارك سالم الألوسي في ندوات ومؤتمرات داخل العراق وخارجه: مؤتمرات الوزراء العرب المسؤولين عن الثقافة ومؤتمرات الآثار وندوات عن مستقبل الثقافة العربية والحلقات النقاشية حول صيانة الوثائق والمخطوطات . حاضر في مادتي “الفنون الإسلامية” و”تاريخ الخط العربي”، في معهد الفنون الجميلة 1960-1967. كما كان له دور كبير في إنشاء معهد الوثائقيين العرب في بغداد وقد ولع بالإذاعة والتلفزيون حتى أنه أسهم في إعداد وتقديم برامج مهمة منها برنامج “الندوة الثقافية” وهو برنامج أسبوعي كان يقدم من تلفزيون العراق للمدة من 1960 و1972 ويستضيف فيه أدباء وشعراء ولغويين وأساتذة جامعيين مهتمين بالشأن الثقافي والتاريخي والوثائقي. هذا فضلا عن أحاديث إذاعية كان يلقيها من إذاعة بغداد وإذاعة صوت الجماهير ببغداد. وقد دارت معظم تلك الأحاديث حول قضايا ثقافية مهمة.

اسم بغداد

إضافة إلى تلك المهام الجمة، والتي لا يسع المجال لذكرها كاملة، وضع دراسات ومقدمات لكتب صدرت من قبل كبار المؤلفين من زملائه ككتاب “مختصر التاريخ” للمؤرخ ظهيرالدين بن الكازروني، والذي حققه الدكتور مصطفى جواد – بغداد 1971. وكتاب “شرارات” بقلم موسى الشابندر وزير خارجية العراق الأسبق، مع ترجمة لشخصية المؤلف – بغداد 1967.

تعلم الألوسي الحرف الأول في الكرخ حيث ولد، فدخل الكتاب وختم القران ودرس في مدارس العراق وحاول أن يكون طبيبا لكنه قرأ إعلانا في جريدة البلاد عن وجود حاجة لدليل آثار في دائرة الآثار فتغيرت حياته

ومقدمة لكتاب “تاريخ بعقوبة” لأحمد الرجيبي الحسيني وقد صدر جزؤه الأول في بغداد 1972 وكتاب “الميكروفيلم” لسعيد شلبي صدر في بغداد 1982، وكتاب “التوثيق – تاريخه وأدواته” لعبدالمجيد عابدين، صدر في بغداد 1982 وكتاب “النظام الأساسي للفرع الإقليمي العربي للمجلس الدولي للوثائق” صدر في بغداد 1981، وكتاب “نظام معهد الوثائقيين العرب” بغداد صدر في 1981 وكتاب “النظام الداخلي للأمانة العامة للفرع الإقليمي العربي للوثائق” صدر في بغداد 1981. ربما أواخر ما ألف من الكتب: “اسم بغداد 2006”، وكتاب “بغداد ما قيل فيها”، وفي الكتابين كأنه يريد أن يحفظ اسم العراق الذي صار موضع جدل ونقاش، بعد أن سقطت الدولة وعاد العراقيون إلى فرعياتهم، كالقبيلة والمذهب والقومية والمدن والقرى وكل ما كان يتألف منه العراق. أما كتابه الآخر “بغداد” فقد جاء كأنه يرثي هذه المدينة، لِما جرى عليها من ويلات، فالكل يريد حقه منها وهي ليست لها حق، ويوم كان من يأتي بغداد يُقال “تبغدد” أي تحضر، أما اليوم فالآتي إلى بغداد يحمل الريف معه، وهنا انتصرت القرية على المدينة، وأي مدينة إنها بغداد كمدينة حضارية بعد نحو أربعة عشر قرناً.

كتب عنه، قبل وفاته، رفعت مرهون الصفار قائلاً: “علم من أعلام البحث والتحقيق والثقافة، خبير في الآثار والتاريخ هو الأستاذ الجليل سالم عبود الألوسي أخو النجدة لكل محتاج حتى لو لم يعرفه صاحب الخلق الكريم والوفاء النادر، في كل المجالات كان ميالا إلى أهل العلم والفضل، وافر الأدب حسن المعرفة “. وقال عنه قاسم الخطاط: “كان ينسى كل شيء حين ينصرف إلى عمله وحتى صحته وراحة أهل بيته، فهو الموثّق الأديب وهو أظرف من يروي النكتة والطرفة وأحفظ من عرفت لعيون الشعر العربي أدخل الوعي الثقافي في الوطن العربي وقدم للمكتبة الوثائقية ما عجز عنه الآخرون”.

العالم الجليل

قال عنه محمد بهجت الأثري: “هذه المواد البريئة للأخيار كما هو مثال حسن للرجل العالم الفطن”. يذكر عنه محمد بشير الخالدي: “التشاور والتحاور والمصابرة والمثابرة والموازنة والمقارنة”. وقال فيه خالص عزمي: “مخبره وإذا ما حضر مجلس أدب أو تاريخ أو طرافه فهو المنادم والسمير”. قال عنه أسعد عبدالرزاق: “نداء بركة وخلق واستقامة يجدر أن توضع على جبينه قبلة الأجيال التي عملها الصدق والصداقة”.

قال عنه المؤرخ الأردني سليمان موسى: “عمق الشعور بالمسؤولية وشدة اهتمامه بأداء الواجب، حيث ترك خلالاً واضحة لمسيرة اتحاد الوثائقيين العرب”. أما العلامة الدكتور مصطفى جواد فقال فيه شعرا، ومعلوم أن جواد كان قد توفي قبله بنحو خمس وأربعين سنة:

كان من آخر ما ألفه الألوسي من الكتب: “اسم بغداد”، وكتاب “بغداد ما قيل فيها”، وفي الكتابين بدا وكأنه يريد أن يحفظ اسم العراق الذي صار موضع جدل ونقاش، بعد أن سقطت الدولة وعاد العراقيون إلى فرعياتهم، كالقبيلة والمذهب والقومية والمدن والقرى

إذا افتخرت ألوس يوما بأهلها

فإن لها كنز المفاخر سالما

فتى علوياً سامي النفس فاضلا

على المزايا بارع البحث عالما.

الألوسي بالإضافة إلى كل ما سبق من مهام كان أحد المبرزين في عالم الصحافة فقد أسندت إليه رئاسة تحرير مجلة الوثائق العربية التي يصدرها الفرع الإقليمي العربي للوثائق. من مؤسسي مجلة المورد فضلا عن سكرتارية تحرير مجلة “الكتاب والوثيقة” بدار الكتب والوثائق وسكرتير تحرير مجلة سومر الآثارية. وسكرتير تحرير مجلة العراق. ساهم في تأسيس: مركز إحياء التراث العلمي بالتعاون مع الأساتذة العراقيين.

من صفات سالم الألوسي التي لم تفارقه، وبشهادة من عرفه عن قرب أنه كان محباً للخير، وكان حليماً لم يُعرف عنه أنه سريع الغضب، صبور ودؤوب وقد كتب عنه عبدالحميد الرشودي قائلاً: إنه مؤمن بالوطن، والوحدة الوطنية، وقد وضع نفسه على مسافة واحدة من كل الأطراف والقوى المختلفة، لذلك لم تطله ألاعيب السياسة وأعاصيرها. إنه يحترم العلم، ويجل العلماء، ويحرص على مجالستهم ومحاورتهم للوصول إلى الحقيقة. كما أنه محدث جيد يجذب السامعين إليه ويأسر لبابهم بسرعة عجيبة لذلك فإنه يحظى باحترام الجميع وتقديرهم وإعجابهم به وبجهوده”.

رجل عاش العصر

إن شخصاً بهذه المواصفات، في العراق وعاش تقلباته السياسية وسيادة الأحزاب ونزاعاتها لهو حقاً شخص نادر الوجود. فكيف إذا عاش الألوسي ما بعد 2003 وما حصل من نزاعات وتجاذبات من الصعب أن يبقى فيها المرء محايداً، أي كيف له أن يحمي نفسه إذا لم يلجأ إلى فرع من فروع الوطن، وهو في زمن لم يجد فيه شخصاً كمصطفى جواد مثلاً تجذبه إليه الثقافة والوطنية قبل اختلاف المذهب؟ كان الألوسي متفائلاً على الرغم من عظمة الخراب الذي حوله، ظل يُذكّر باسم العراق وبتراث بغداد، ومع عدم وجود مَن يسمع مِن أهل السياسة لكنه عمل ما عليه، وظل ذلك العراقي والبغدادي الصادق مع نفسه، لم يجرفه تيار ولا اتجاه.

حياة سالم الألوسي ملأى بالنتاج العلمي والأدبي، فهو حلقة من حلقات قلادة جيل عاش وأنتج النهضة العراقية

إن وجود شخص مثقف حالم، مع أن شيخوخة غير مسرة وفي وضع غير مريح، يعين على الحياة ونمو جيل آخر يرفع راية المعرفة. بطبيعة الحال لولا التراكم الثقافي والمعرفي، والحياة المديدة، ما استطاع سالم الألوسي أن يثبت على ما بدأ من مشواره الوطني والثقافي، وبهذا يكون مثلما يُقال عملة نادرة في واقع مرير وهزيل. إنه كائن ثقافي لا شيء آخر وظل وفياً لتلك الكينونة، والتي بدأ فجرها في كتاتيب الكرخ يوم كانت الدولة الحديثة في العراق في بداية مشوارها، وهو ينمو معها حتى صار أحد حاملي المشعل في سماء العراق.

لقد شهد الألوسي البناء وشهد الهدم أيضاً، مرت عليه الحروب والحصارات، وربما حار بين ضرورات العيش والكتب وأدوات المعرفة الأُخرى، حاله حال كبار من أمثاله. نقول من عجب أن الشاهد على البناء والهدم لم يدخله اليأس، وظل متفائلاً وهو يحمل العقود التسعة على كاهله.

تلك هي حياة المؤرخ والوثائقي والمثقف سالم الألوسي، ملأى بالنتاج العلمي والأدبي، قلنا إنه أحد حلقات قلادة جيل عاش وأنتج النهضة العراقية، والتي بلغت ذروتها في الخمسينات من القرن الماضي وما بعدها، ولولا عقبات السياسة وانحداراتها لكان العراق، بفضل ذلك الجيل، في مقدمة بلدان المنطقة إن لم يكن العالم. حزننا يكون أكثر عندما لا نجد تعويضاً للخسارة الفادحة بأمثال سالم الألوسي.

Related Posts

LEAVE A COMMENT