هل سيصحح العبادي الخطيئة بحق الهاشمي؟

داود البصري*

حجم وطبيعة الجرائم المروعة التي إقترفها رئيس الحكومة العراقية السابق نوري المالكي طيلة ثمانية أعوام من حكمه الجائر وتسلطه السلطوي الأهوج, يبدو من الضخامة بحيث يتعذر على أي طالب للإصلاح أو مصحح للمسيرة السلطوية في العراق من القيام بأي خطوة إصلاحية متقدمة من دون اللجوء الى مواجهة آلاف القضايا الشائكة والملفات المعقدة والألغام المنصوبة على جانبي الطريق العراقي, من طائفية وإجتماعية وسياسية وغيرها!
نوري المالكي قد دخل التاريخ العراقي المعاصر بإعتباره رمزا شاخصا للفساد والإفساد والخراب الشامل, الذي أنهى حياته السلطوية بفضيحة من العيار الثقيل وهي تسببه بأبشع وأشنع هزيمة تلقتها المؤسسة العسكرية التي بنيت بشكل خطأ بالمطلق أتاح للصوص والمهرجين والمراهقين والأغبياء أن يصبحوا قادة وجنرالات وهميين مما تسبب بكارثة عسكرية لا تختلف أبدا عن كارثة هزيمة الجيوش العربية في حرب الأيام الستة عام 1967.
لقد ترك المالكي العراق بعد التدخل الغربي المباشر الذي أزاحه أرضا للخراب التام, حيث تعبث بأرجائه المنظمات والعصابات الإرهابية من مختلف الأنواع, والمشارب والتوجهات, كما شارك نظام المالكي في أقذر دور, وهو المساهمة العلنية والفجة والحقيرة في دعم النظام السوري المجرم, والتحول لخادم وعبد مطيع للنظام الإيراني ومخططاته, مضحيا بكل إمكانات العراق وإقتصاده ورجاله وموقعه الجيوسياسي, لذلك نال الرضا الهمايوني من ولي طهران الفقيه, وهو اليوم يتربع في مشهد هزلي نادر ومسيء للعراق وشعبه على قمة منصب سلطوي هو نيابة رئيس الجمهورية, وحيث ما زال ينطق بالباطل, ويحاول مقاومة كل جهود الإصلاح والتغيير والترقيع, وإنقاذ ما يمكن إنقاذه التي ينتهجها رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي الذي هو في موقف لايحسد عليه أبدا بسبب المشكلات العراقية المتراكمة منذ عهد المالكي وحتى قبله التي تشكل عناصر ضغط وقنابل موقوتة لا يستطيع تجاوز حقولها المهلكة بسهولة, لاسيما وهو يواجه حيتاناً ضخمة للفساد وعفاريت مهولة لعملاء الولي الإيراني الفقيه.
ورغم كون العبادي ينحدر من المدرسة الحزبية والطائفية نفسها للمالكي (مدرسة “الدعوة” الإرهابية الطائفية العميلة) إلا أنه وعبر رصد تحركاته وأساليبه في إدارة ملفات الصراع, الداخلية والخارجية, يحاول القفز بوضوح على ذلك الإنتماء والعمل على التحول النوعي ليكون رئيسا لوزراء كل العراق, وليس لطائفة منهم فقط, كما أن جهوده الواضحة في مقاومة الفساد وإنصاف من تعرض للظلم في عهد المالكي تبدو واضحة جدا, لكنها تسير بخطوات بطيئة للغاية ومتوجسة, وتحاول إرضاء جميع أطراف الصراع العراقي وهي مهمة صعبة, فمحاربة فساد المالكي وعصابته تحتاج الى جهود مضنية وحماية دولية وإقليمية, فالفساد في العراق دولة وسلاطين وعفاريت وخطوط متداخلة لا تسمح أبدا بإتخاذ خطوات صدمة كهربائية صاعقة تطيح برموزه, واولهم فرعون “الدعوة” الإرهابي نوري المالكي بسبب التفاهمات والتوافقات والمصالح الطائفية والإيرانية منها خصوصا.
في ظل الحرب الكونية المشتعلة في العراق يبدو المشهد في منتهى الكآبة,ويتطلب جهودا فوق طاقة البشر للإصلاح, لكن لا يمكن أبدا معالجة الخلل في الدولة العراقية من دون اللجوء الى خيارات حاسمة, وأبرزها تنحية نوري المالكي وتقديمه للمحاكمة الوطنية العاجلة, والملفات القانونية والإتهامية واضحة وصريحة وجاهزة, ولعل أبشع التهم والرزايا التي تسبب بها المالكي وطاقمه الإرهابي والتخريبي هو ملف الوحدة الوطنية, والتفاهم الداخلي وحيث تميز المالكي بروح طائفية حاقدة مريضة وإقصائية تعتمد النيل من رجال العراق الأحرار الذين هم أفضل منه علما وثقافة وتاريخا عبر لجوئه أيام سطوته و”هيلمانه” الى تلفيق الإتهامات الكيدية وإزاحة الخصوم بالمؤامرات والفبركات المرتبة جيدا, وفقا لعقلية إستخبارية تعلمها من أسياده في المخابرات السورية وسادته في النظام الإيراني!
لقد حاول المالكي بفجاجة منقطعة النظير الهيمنة الأبدية على السلطة عبر فلسفة “ما ننطيها”! فأضطر لاحقا لتقيؤ ما قاله, وهو اليوم بعد تساقط رجاله من عشيرة الفاسدين يقف عاريا, ولن يفلت أبدا من سيف القانون الذي سيطاله, وحيدر العبادي وهو يواجه مهمة إعادة رص الصفوف العراقية مطالب أولا بإنصاف القيادات الوطنية العراقية التي أساء لها, وخصوصا ملف نائب رئيس الجمهورية الأسبق طارق الهاشمي الذي مثل قمة التآمر المالكي في إحداث وتفعيل الفتنة الطائفية, وإتهام رجال العراق الأحرار الحقيقيين بما ليس فيهم, وحيث تعرض لمؤامرة مالكية خبيثة تسقيطية شكلت عنصرا مهما من عناصر إثارة الفتنة الداخلية, وكانت رسالة تآمرية موجهة الى كل من يفكر بشكل مختلف ومغاير لمنهجية السلطة الطائفية من الآخرين, وكما حدث مع النائب العراقي المحكوم بالإعدام أحمد العلواني, وأحكام الإعدام المتعددة التي أصدرها القضاء العراقي الفاسد بحق طارق الهاشمي وعناصر حمايته, وهي أحكام جائرة استخف بها العالم أجمع, وخصوصا الاتحاد الأوروبي الذي فتح أبوابه للسيد الهاشمي واستقبله بالترحاب, والاتحاد الأوروبي لا يستقبل إرهابيين, والإرهابي الحقيقي كما أفرزته الأحداث هو من ينهب شعبه ويدمر وطنه, ويتسبب بكوارث وطنية رهيبة.
إنصاف السيد طارق الهاشمي وإعادة الاعتبار له, وإلغاء الأحكام التعسفية الجائرة وإطلاق سراح المعتقلين من موظفي مكتبه, وتعويضهم هي الإجراءات الشجاعة التي لابد أن ينتهجها حيدر العبادي إن أراد فعلا بناء جسور للتحالف الوطني الحقيقي ولتعويض خراب سنوات الجمر والرصاص المالكية الخبيثة التي أوردت العراق موارد الهلاك والضياع.
ملف رد الاعتبار القانوني والسياسي والأدبي لطارق الهاشمي هو المحك الحقيقي والإختبار الميداني لجدية حيدر العبادي في جبر الضرر وإصلاح مسيرة البناء الوطني, فهل سيتمكن السيد العبادي, وهو يواجه الملفات العراقية الحساسة, من حسم هذا الملف الشائك وإنصاف المظلوم؟
إنه التحدي الأكبر, والشعب ينتظر.

Related Posts

LEAVE A COMMENT