مراكز الإرهاب الطائفي العراقي السوداء

داود البصري*

أفرزت الحملة الوطنية العراقية على ميليشيات الإرهاب جملة من الحقائق, وسلطت الأضواء على طبيعة وشكل تطورات الأوضاع الداخلية ضمن إطار حالة الحرب الأهلية الطائفية المستعرة التي تداخلت فيها كل الأوراق والملفات.

ما جعل من موضوع وملف الحرب ضد الإرهاب تتغير بوصلته بالكامل وتتجه صوب تصفية حسابات داخلية مؤسفة عبر إقدام جماعات الحشد الشعبي الكفائي في مناطق ديالى, وشمال شرق بغداد, على تفجير مساجد أهل السنة, وقتل العديد من الأبرياء وممارسة عمليات تطهير طائفية قذرة استنكرتها المرجعية الشيعية ذاتها, ورغم ذلك مستمرة ومتواصلة, وعمليات الخطف والتفجير والاغتيالات هذه رسمت خطوطاً دموية حمراء على كل رمال العراق.
لقد نشطت فعاليات المجتمع المدني العراقي والعربي والدولي أيضا بتنظيم حملات منظمة لتجريم وتحريم ومتابعة الميليشيات الطائفية الإرهابية التي نشطت في العراق منذ الاحتلال الأميركي عام ,2003 ومعظمها واجهات لأحزاب طائفية هي نفسها التي تحكم العراق اليوم, وقد تميز عهد حكومة نوري المالكي بكونه العهد الذي حظيت فيه الميليشيات الطائفية بعناية خاصة من الحكومة التي استعملتها في تنفيذ مآربها الخاصة, واستعانت بها في إدامة زخم عمليات الدعم الحكومي والرسمي لنظام دمشق في مقاومة الثورة السورية في مناطق ريف دمشق أولا, ثم في عموم المناطق السورية الثائرة , فكانت ميليشيات “أبي الفضل” و “كتائب حزب الله” و”العصائب” و غيرها من التنظيمات المسلحة التي كانت تدار أيديولوجيا من الحرس الثوري الإيراني وتتمول بأموال وأسلحة الحكومة العراقية, وقد تمددت نشاطاتها المسلحة اليوم بشكل كبير, وأضحت سلاحا قويا للأحزاب الطائفية في الحرب الطائفية المستعرة فصولها في العراق.
الجيش العراقي أخرج من المعادلة بعد الضربات التي تلقاها في الصيف الماضي, وبعد هيمنة قيادات فاشلة مفلسة فاسدة على شؤونه, وحتى اليوم ورغم أحاديث الإصلاح و التغيير لحكومة العبادي إلا أن كل المتغيرات كانت شكلية محضة وليست جذرية, فعناصر الجيش العراقي تقاتل منذ شهرين من دون أن تتلقى رواتبها المستحقة, وتشكو من نقص تسليحي كبير, وقد تشتتت جهوده عبر تخصيص الآلاف من الجنود العراقيين ليس لمهمات قتالية, بل لحماية الشخصيات الحكومية, فكل وزير أو مسؤول عراقي كبير يخصص له فوج حماية, أي نحو الف عنصر عسكري, وهي حالة غريبة وغير مسبوقة في أي دولة في العالم مما أنتج ظاهرة الجنود الأشباح, وحيث الأسماء على الورق فقط, مما خلق وأنتج مؤسسة عسكرية مترهلة فاسدة لا يمكن أن تكون صالحة لمهمات قتالية حقيقية, بينما في المقابل ارتفع صوت وتأثير الميليشيات التي أضحى لها وجودها الميداني الفاعل من خلال المقرات الخاصة التي تمارس فيها ممارسات غير شرعية من الانتهاكات والتعذيب وصولا الى القتل كما حدث ويحدث في مسجد “براثا” الذي يطلق عليه العراقيون “مسلخ براثا” الذي يديره الشيخ جلال الدين الصغير أحد أقطاب النظام الإيراني في العراق الذي يحرص على الظهور الدائم بالبذلة العسكرية وفوقها العمامة, مما يعطي انطباعات طائفية رثة عن الوضع العام.
رغم حملة العلاقات العامة للأحزاب الطائفية التي تحاول تحسين صورة وسمعة أطراف الحشد الشعبي عبر الاستعانة ببعض شيوخ السلطة الحاكمة, واظهار جماعات الحشد بكونها بريئة مما ينسب إليها, إلا أن وقائع الأمور تؤكد أن الجرائم الطائفية المرتكبة في العراق أكبر كثيرا مما يعلن, فانهيار هيبة وسلطة وقوة جيش الدولة لا يعني مبدئيا إلا سيادة الفوضى وانتشار العصابات وفرق الخطف, وتفعيل الإرهاب الطائفي, مما ينتج عنه ردود فعل مضادة من الطرف الآخر المستهدف لتستمر حالة التطاحن العراقية السوداء الكريهة.
لو كانت الحكومة العراقية جادة قولا وفعلا, لعمدت على الفور الى حظر الجماعات المسلحة وتفعيل القانون في مطاردة وملاحقة كل مقترفي الانتهاكات ضد الإنسانية, والتعامل بجدية مع التقارير الوطنية والدولية عن ممارسات وجرائم عصابات الحشد الشعبي, أما التعتيم على الحقائق والتهوين من الكبائر, وحماية الإرهابيين الطائفيين فهو في النهاية يصب في مجرى تسعير نيران الحرب الداخلية.”
حكومة العراق نسمع منها جعجعة كبرى ولا نرى طحينا حقيقيا يعيد الأمن والأمان لبلاد الرافدين, وحيث تجاور الخرافة الكارثة في تراجيديا سوداء لم تنته فصولها المرعبة بعد!

Related Posts

LEAVE A COMMENT