العراق والأمن المستعار

عبدالله جعفر كوفلي*

الأمن حاجة أنسانية وضرورة ملحة للحياة ووجدت مع وجود الأنسان وأختلف أساليبه في تأمين أمن حياته و ممتلكاته وتعددت الخطط و الاستراتيجيات الأمنية للدول آخذةً في الاعتبار مصادر التهديد ونوعيتها و درجة خطورتها , وانشأت أجهزة متخصصة مسؤولة عن حفظ الأمن في البلد و كثيراً ما تكون هذه الاجهزة غير قادرة على القيام بمهامها و تظهر عليها بوادر الضعف , و أمام هذا الضعف المتزايد في أجهزة الدولة الامنية و تفكك اواصرها بفعل مصادر التهديد و خطورتها و عند استفحال الامور و تهديد الوطن (الدولة) برمتها للخطر و الانحلال ، تلجأ هذه الدولة الى طلب المساعدة من دولة أخرى أو منظمة دولية تكون قادرة على أعادة الأوضاع الأمنية المتردية الى نصابها سواء كانت الدولة مجاورة أو بعيدة وغالباً ما تلبى الدولة المستنجدة بها و المنظمة المستعان بقوتها هذا الطلب و تحقق الأمن المطلوب و هذا مايسمى ب (الأمن المستعار) , ومما لاشك فيه أن الدولة المستنجد بها الى المساعدة تكون لها مصالح معينة (مادية – معنوية) وراء اقدامها على هذه المساعدة فإنها غالباً ماتضحي برجالها الذين ترسلهم لحماية أمن تلك الدولة و تنفق الاموال الطائلة و الاسلحة و الذخائر وبذلك يتوجب على الدولة الطالبة المساعدة ان تدفع ثمن ذلك من أموالها وقراراتها السياسية و أستقلالها و حرياتها .

اذن الأمن المستعار يكون ثمنه باهظاً على الدولة الطالبة و يثقل كاهلها و يجعلها لفترة طويلة مرهونة الارادة و القرار ناقصة الحرية و السيادة و الاستقلال , أي أنها لاتكون مستقلة بقراراتها و سياساتها ، بل ترتبط بشكل أو بأخر بمصالح و سياسة الدولة الداعية , وأن هذا المصطلح الأمني كان موجوداً منذ القدم ولكن ليس بالمفهوم الحالي الذي ظهر كنتيجة للعديد من التطورات و الأحداث السياسية و الأمنية التي شهدتها العالم خاصة بعد أنتهاء الحرب الباردة و بروز دور العولمة وتقويض السيادة و مبدأ التدخل الأنساني في ظل ثورة الاتصالات والتكنولوجيا و الاعلام التي جعلت العالم قرية صغيرة .

العراق هذه الدولة التي غابت فيها كل أنواع الأمن فلم يكن المواطن في مأمنٍ عن نفسه و ماله و عرضه من بطش و عنف الأنظمة الحاكمة وليس التهديدات الخارجية لأنها كانت تعامل الشعب العراقي على أسس الطائفية و المذهبية و القومية , وبات هذا المشهد أكثر وضوحاً بعد تحريرها عام (2003) و نتيجة للعديد من الأحداث و التغيرات و أجندات الدول أصبح العراق حاضنة للجماعات الارهابية و بيئة ملائمة لنموها حتى وصلت الحالة الى عدم تمكن الاجهزة الامنية العراقية المتعددة من المسك بزمام الامور و حماية أمن المواطنين ، بل أصبحت الاغتيالات و الانفجارات و عمليات السطو و النهب مشاهد يومية و مادة دسمة للأجهزة الاعلامية , و المواطن لايأمن على ماله و عرضه و حياته , وأصبح الامن مفقوداً بكل ماتعنيه هذه الكلمة , مما أضطر الحكومة العراقية و خاصة بعد انسحاب القوات الامريكية نهاية عام (2011) الى طلب المساعدة من الدول الاقليمية و المجتمع الدولي الى المشاركة و بحزم في سبيل وضع حد للانتهاكات والاوضاع الأمنية المتردية ، فمن الدول ما استجابة لهذا الطلب لدوافع عديدة و قاتلت على أرض العراق وقدمت التضحيات وأنفقت الأموال و الاسلحة حتى بات العراق مسرحاً يلعب العديد من الدول ادوارها و تفعل فعلتها حسب ماتمليه عليه أهدافها و بالمقابل فإن هذه الدول لاتستجيب للدعوة حباً للشعب العراقي او من أجل عيونهم وإنما لها أهداف و مصالح تجعل الحكومات العراقية المقبلة غير مستقلة بقراراتها و ستكون مرهونه بهذه المصالح .

اذن الأمن المستعار تجعل الدولة أسيرة الدول المستجابة للطلب و العراق يمر بهذه المرحلة و لايمكن التخلص منها بسهولة و لفترة قصيرة و أنها تستغرق مدة طويلة ان لم تضطر الحكومات الى الاستعانة بالدول في المستقبل و هذا ما يزيد الطين بلة .

Related Posts

LEAVE A COMMENT