أطول احتضار

حاتم حسن*

الحربُ الأهلية في العراق مشتعلة منذ الاحتلال ولكنها غير مسماة وغير موصوفة وبعناصر وكيفيات وأساليب غير مألوفة، وبنتائج وغايات هي الأقذر على الإطلاق… والأكثر خفاء وفتكا واستهدافا لمعنى الوجود الإنساني… ولمعنى الحياة والخلق.

الحروب بذرة في إنسان الغابة من اجل البقاء.. وظلت تنتقل ما دامت ثمة بقايا ترسبات من الإنسان الأول… وما دام هناك قصور وضعف في الوعي والإدراك لذلك قال لينين انه عندما يتوقف العقل تتحرك القبضة… وظلت تتحرك وتطلع في الأرض مخالب وأنياب الغابة بين وقت وآخر.. ومض اسود مشؤوم ليختفي سريعا.. فقيل إن البشرية ما زالت في طور الطفولة وان تركزت النزاعات وصرخات الغابة في المجتمعات المتخلفة أكثر من غيرها..
الحرب الأهلية أكثر قسوة ومرارة وكوارث من الحرب الوطنية… لان منطلقها ينتهي إلى الكراهية، بينما تبقى الحروب الوطنية محافظة على مبدأ وشعور بالحرص ومحبة الوطن والمواطنين… ودائما ما كانت قناعات ويقينيات الشعوب التي خاضت حروبا أهلية بأنها قاست من أتعس وأبشع المشاعر ومن كراهية الذات ومن لا جدوى الحياة.
الهول أن العراق لا يخوض حربا أهلية بمعناها الدارج ولا يستطيع أن يعثر عن اللغة المناسبة للتعبير عنها ولا من نعتها بالحرب الأهلية، وان كان البلد ينزف طوال الوقت، ينزف كل عناصر ومقومات الحياة بمعانيها البيولوجية والوجودية والروحية، وبمعاني التقلب في ضروب الشقاء…
لا حرب أهلية بلا أطراف متخندقة بقناعاتها وبكامل الحق في كراهية وقتل الآخر.. وفي العراق فان الحق والمشروعية والدعوات تنزل من السماء فمن (يكفر) ويعترض على الكراهية المقدسة والانتقام؟؟؟
سرت بين العراقيين وشاعت أيضا أحاسيس ومشاعر ما شعرت به الشعوب المحتربة.. وبلغ الامتعاض من الأواصر والعلاقات والمسلمات مداه ولكن من دون التسليم وإعلان اليأس فالمخطط يقضي بمواصلة النزف ليصل إلى معنى الحياة وكل عناصرها وهوياتها وعناوينها.. وبدأ الطفح واعترفوا بضمور وهزال الانتماءات السلبية والايجابية.. وان المراقب لم يتفاءل لتضاؤل الشعور العشائري والمناطقي وانتماءات أخرى لان ذاك لا يحسب على الوعي واليقظة بقدر ما يعود لرد الفعل ولحسابات نفعية صغيرة… ولأنه لم يرتق للبديل: الوطن والمواطنة… حتى ليمكن الاعتقاد انه قد يكون بوسع العبادي ان يغير ويصلح ولكن ليس اصدار قانون لتحريم وتجريم الطائفية… لا لإيمان بها… بل لعدد المنتفعين منها اولا، ولحجم الاحباط والتخلف الاجتماعي… ولانها هوية اجتماعية لهم… بل وهوية منحوها قدسيتها ايضا وتحضرها وشموليتها الانسانية وان كانوا يضيقون بالقريب اذا نافسهم على منفعة ضئيلة…
يقول الرجل انه بات يساوره انه غريب في المكان وان الالغام تحيطه من جهاته الستة: من الارض والبشر ومن فوقه… فاية موت او احتضار بهذا الوقت المتطاول والخرافي يعانيه العراقي اذن؟..

Related Posts

LEAVE A COMMENT