شارع المتنبي… مصدر لترويج الطارئين على الأدب والثقافة!

 

شارع المتنبي

بدأت ظاهرة غريبة تنشأ في شارع المتنبي المعروف بأنه شارع الثقافة تتمثل في كثرة أعداد الطارئين والطارئات ممن يطلقون على انفسهم القابًا شعرية وقصصية ونقدية وراح بعضهم يروّج لبعض حتى اصبحوا (نجومًا) تحتفي بهم وتكرّمهم المنتديات والملتقيات والفضائيات!

بغداد: فجأة… اصبح شارع المتنبي مكانا لترويج الطارئين على الأدب !!، ففي كل يوم جمعة يحتشد الكثيرون في قاعات (المركز الثقافي) العديدة ويحتفون ويحتفلون بأنفسهم بمباركة كاميرات القنوات الفضائية التي تأتي إلى الشارع بحثا عن نشاطات ثقافية وادبية وفنية، هؤلاء الطارئون، الذين لا علاقة لهم بالأدب انتجهم التعارف على موقع التواصل الاجتماعي وقاعات المركز الثقافي الخالية، فصاروا يحققون على ارض الواقع رغباتهم في الشهرة، فيقيمون احتفاليات لانفسهم يقرأون فيها اسوأ النتاجات الكلامية، ولا يعرفون من اللغة ما يفعله حرف الجر ولا شغل ان وكان واخواتهما، وتراهم في كل احتفالية يكرمون بعضهم البعض بأوصاف فيها كثير التبجيل والمبالغة.
وقد اثارت هذه الظاهرة العديد من الأدباء الذين القوا باللائمة اولا على القائمين على المركز الثقافي الذين لا يريدون سوى ان تمتلئ القاعات بالفعاليات بغض النظر عن ما يقدم وشخصيات الذين يتم الاحتفاء بهم، وراحوا يصفونها بأنها ظاهرة لتخريب الأدب والثقافة والذوق واكدوا على ضرورة معالجتها، مشيرين إلى ان شارع الثقافة العراقية اصبح معرض أزياء ومصدرًا لترويج الطارئين على الأدب، خاصة أن هذه الفعاليات تواجه خطر اللامبالاة من اهل المسؤولية، لان الحرية التي يعطيها المركز الثقافي جعل اعداد المتسلقين والمتسلقات في تزايد وراحت نتاجاتهم الهزيلة تظهر على شاشات القنوات ضمن البرامج الثقافية.

تكريس أعمال هزيلة

فقد أكد الكاتب كامل العامري، رئيس تحرير مجلة المأمون، ان هؤلاء الطارئين يبحثون عن تكريس لاعمال هزيلة وقال: فيه الاثنان الهزيل والجاد..ولكن نسبة الجاد قليلة والسبب ان كل ثقافة جادة تحتاج إلى استعدادات مسبقة واسماء معروفة ومحاور ثقافية مؤثرة، ولذلك نجد الوجبات السريعة في بعض صالات المنتدى الثقافي… ولذلك نجد الثقافة الجادة نسبتها قليلة…مثلها مثل ما ينشر الآن على صفحات التواصل الاجتماعي…اسماء تحاول ان تجد لها مكانا للتكريس، ولكنها لم تمنحهم ما يطلبون.

واضاف: هؤلاء الطارئون يبحثون عن تكريس لأعمال هزيلة…هم يعتقدون ان ما يكتبونه في مصاف الأدب…وقد سهل النشر ووسائله المتاحة الكثير لصدور ادب رديء…مما جعل هؤلاء يعتقدون بأنهم بلغوا المرتبة الأدبية المرموقة…وقد انعكس هذا على مجمل النشاطات الثقافية في المتنبي…من ناحية اخرى تنهض المدى كمؤسسة ثقافية بشكل متوازٍ…في عقد الندوات التي في بعضها محاولة استذكار الشخصية الثقافية… وكان يفترض بهذه المؤسسة ان تتوسع في نشاطها الثقافي على الاجناس الأدبية والثقافية الاخرى… فتقدم رؤية مقابلة طاردة لأشباه الأدباء… كما انني ارى ان يكون لاتحاد الأدباء دوره المميز… ونحن نرى ان الاتحاد يقيم نشاطاته الاسبوعية في مبناه في ساحة الاندلس.. ولكنه لو انتقل بواحد من هذه النشاطات إلى المتنبي..ستكون المسألة مختلفة تماما… نحن بحاجة إلى فعل آخر يصعب اقتحامه من قبل الاشباه الذين ذكرتهم في سؤالك ويكون عصيا عليهم… حتى يبلغوا سن الرشد.
وتابع: شارع المتنبي هو الرئة الوحيدة التي يتنفس منها المثقف العراقي…وهو الظاهرة العربية غير المسبوقة في البلاد العربية…نتمنى ان يتعزز دوره من خلال ايجاد آليات وسبل للارتقاء ثقافيا.

نتائج المشروع الثقافي الأميركي

اما الشاعر فائز الحداد، فقد اشار إلى ان الزمن الطارئ يسود فيه كل طارئ والأدب في مقدمته، وقال: هذا الطارئ على الأدب له مسببات كبيرة أهمها غياب المسؤولية الأدبية التي تضطلع بها المؤسسات المسؤولة عن المراكز الأدبية ومنها المركز الثقافي البغدادي وتوفير الفرص للتجمعات الضعيفة لإقامة مثل تلك النشاطات، إضافة إلى تخلف النقد وغيابه عن تلك النشاطات
واضاف: أعتقد ان تمزّق وحدة الأدب العراقي بين التيارات السياسية ضرب أطنابه في قاعدة الأدب العراقي الرصين.. فكما ترى هناك توجهات سياسية كثيرة تقود تيار الأدب غير المسؤول والضعيف في ترسيخه على حساب الراكزين من الأدباء… لهذا شاع غياب اللغة وسلامتها من تلك النشاطات وتفشى الرديء وساد بشكل واسع على حساب الرصين والجميل.
وتابع: الزمن الطارئ يسود فيه كل طارئ والأدب في مقدمته لكن هذه الظاهرة ستزول ويبقى الأدب العراقي بعافيته رغم حملات التغييب والإرهاب الثقافي التي تمارس ضد المبدعين الحقيقيين صحافة واعلامًا.
وقال ايضا: هذه الظاهرة تعالج حين تمسك المؤسسة الثقافية الوطنية بزمام الثقافة العراقية بإبعاد الطارئ وتدعيم ركائز الثقافة العراقية الموحدة والسلمية وفق شروط الأدب المطلوبة في اللغة وتقنية الأدب.
وختم كلامه بالقول: هذه كلها نتائج المشروع الثقافي الأميركي ومن سار بمظلته مستفيدا على حساب العراق وتاريخه وأدبه وثقافته الكبيرة..

مجموعات لجذب النساء

فيما اكد الشاعر خالد الحسن، ان هناك مجموعات تسعى لجذب النساء لتكوين علاقات عاطفية معهن بغض النظر عما تكتب، وقال: هذا الواقع، للأسف، فمنذ افتتاح المركز الثقافي البغدادي أصبح شارع المتنبي جسراً للذين يعانون مشاكل نفسية والمصابين بداء الوهم وهناك من يشجعهم بالاستمرار به ويصفقون لهم بقوة وتتطاير كلمات الإشادة لأشياء لا تمت للشعر والأدب بصلة , أتذكر جيدا احد الشعراء الذي ارتقى المنصة وصار يطالب الحضور بالتصفيق لقصيدته التي اقل ما أقول فيها إنها بائسة ، أو تلك الأنثى التي لا تعرف من اللغة شيئاً وحينما تترجل عن المنصة يبادر معاشر (اللوكية) بكلمات الإعجاب بالنص الذي لا يعجب عاقلًا.
واضاف: بصراحة أتصور أن (الكروبات) التي تأخذ على عاتقها تنظيم الجلسات بغالبيتها العظمى تسعى لجذب النساء لتكوين علاقات عاطفية معهن بغض النظر عما تكتب من (خرط) والذي يزيد المشكلة ويضاعفها هو أن القائمين على (الكروبات) غير مهنيين بالمرة فتجد الشاعر الفاشل الذي لم يستطع ان يثبت نفسه في مكان آخر فوجد نفسه أمام مهمة سهلة هي أن يكوّن مجموعة من الشباب والشابات من أرباع وأنصاف المواهب وسيحصل على قاعة بسهولة ويتحوّل إلى عراب ثقافة بلا جهد كبير.
وتابع: هناك فرصة على إدارة الملتقى البغدادي اغتنامها وإلا ستكون تحت نار المسؤولية التاريخية والمحاسبة الأدبية وهي أن تسن ضوابط صارمة تمنع من خلالها الكروبات الفيسبوكية من الاستيلاء على القاعات وان تضع خطة عمل بما يتناسب مع حجم المصيبة التي تحدث في هذا الملتقى الذي أصبح وسيلة لأغراض لا تخدم الأدب العراقي الطاعن في الجمال.
الفراغ ليس غير

من جانبه اكد الروائي شوقي كريم حسن خطورة هذه الظاهرة،وقال: تلك هي المشكلة التي كنا نخاف منها وقد حصلت فعلا ان قاعات المركز الثقافي البغدادي صارت ترحّب بمن هبّ ودبّ ولهذا استسهل البعض الامر فراحوا ينشدون الغث من الشعر ويتحدثون بأدب ما هو بأدب، ومرد ذلك إلى الاحساس بأن تلك القاعات لا بد وان تمارس نشاطها بغض النظر عن النوعية.
واضاف: لقد تأسست كتل وجماعات صارت تنازع الابداع وجوده من خلال الفراغ ليس الّا، ولكني استثني بعض الانشطة المهمة حقا والتي تعرف بالأدب الحقيقي والثقافة العراقية بكل الوانها.. واظن ان مثل هذا الأمر سوف ينتهي مع الايام لان المتلقي سينسحب باتجاه ما هو رصين وحقيقي ولسوف يكسب الأدب متلقيا عارفا وقارئا يعرف ماذا يختار، وتلك الظواهر موجودة في كل الاوساط الثقافية في العالم وما هو بجديد علينا !!.

اللهو وقضاء الوقت

اما فهد الصكر مسؤول القسم الثقافي في جريدة البينة، فقد اشار إلى ما يحدث كونه اقرب إلى اللهو، وقال: سبق ان كتبت مقالا على ذلك وطالبتهم بتنسيق الفعاليات واختيار فعالية واحدة والتركيز على الأسماء التي تجد لها صدى لدى جمهور المتنبي، كي لا تصبح الفعاليات الثقافية أقرب إلى اللهو وقضاء الوقت، حتى سمعت البعض من الفاعلين بالوسط الثقافي ومشهده المغاير قوله نحن لا نقيم جلسة احتفاء لأي كان في اتحاد الأدباء، وعلى هؤلاء أن تقام لهم فعالية أو أصبوحة في شارع المتنبي في أشارة إلى معنى ” التصغير “.
واضاف:وعلى المركز الثقافي في شارع المتنبي الإهتمام جديا بكل فعالية ومهمة أن تقام تحت إشراف واضح من المبدعين كي تكون هناك بصمة واضحة وفعل مغاير حتما.

ظاهرة شهرة الشارع

أما مسك ختام الآراء فكان للكاتب علاء حسن، الذي أكد ان استسهال الوقوف على المنبر هو السبب، وقال: شارع المتنبي فقد هويته السابقة منذ ان دخله السياسيون في مواسم الانتخابات، في سنوات سابقة كان الشارع نوعيا بصفاته الثقافية، والامر يحتاج إلى المزيد من التخطيط، ولا بأس من وجود الجمهور بأعداد كبيرة فالظاهرة تعبير عن نزوع نحو المدنية، بصرف النظر عن وجود الطارئين، المتنبي يبقى محافظا على هويته بكل الاحوال، والثقافة كنشاط انساني تمتلك القدرة على كشف الطارئين، والأدباء العراقيون الحقيقيون دائما يراهنون على منجزهم في إثبات حضورهم.
واضاف: ظاهرة الطارئين على الأدب خلقتها شهرة الشارع العريضة وكثرة المترددين عليها وقد اصابت البعض عدوى ان يكون أديبا من لا شيء لاستسهال الوقوف على المنابر وقراءة الشعر، وأصبحت هنالك في ما بعد علاقات على مستوى (امدحني وامدحك) وصار هؤلاء يدخلون القاعات الفارغة ويقيمون ندواتهم واحتفالياتهم ويدعون وسائل الإعلام لتغطية نشاطهم واذا بهم يصبحون مشاهير على مستوى الفيس بوك والفضائيات التي ترسل مصوريها لالتقاط اي شيء اسمه نشاط تحت مسمى شارع المتنبي.
وتابع:القضية تتحملها الجهات المنظمة، وباعتقادي انها لا تمتلك رؤية حقيقية للمشهد الثقافي، وهي توافق على اقامة اي نشاط من دون مراعاة المنجز، وشاهدنا معارض تشكيلية هزيلة ونشاطات ابعد ما تكون عن الثقافة،اعتقد ان رواد الشارع لديهم القدرة على فرز النشاطات وأهميتها وقيمتها.

Related Posts

LEAVE A COMMENT