«داعش» إلى زوال

ناصر الدويلة*

«داعش» إلى زوال«داعش» إلى زوال هذا المقال هو أول مقال لي في الصحافة منذ عام 2007، وأكتبه بمناسبة تعيين الأخ العزيز عبدالله العذبة رئيساً لتحرير صحيفة «العرب» التي أتمنى أن تكون نبراساً للحقيقة.
ظهرت «داعش» فجأة كما عرف الناس تنظيم القاعدة فجأة بعد أحداث 11 سبتمبر، وقد ظهرت قبلها «طالبان»، وستظهر بعدها أخرى، فالحركات الغامضة تظهر فجأة وتستمر ردحاً من الزمن وستزول لا محالة بسبب داخلي وليس خارجياً، فكل حركة متطرفة تحمل بذور زوالها، لكنها للأسف لا تزول إلا بعد أن تلحق بالمجتمع الكثير من المصائب، وتسيل معها شلالات من الدماء.
لن أناقش نشأة «داعش» المشبوهة، لكنني سأحلل موقفها الحالي على ضوء بعض النجاحات التي تحققت لها يوم الجمعة القريب.
أولاً: الموقف الاستراتيجي العام:
في سوريا لا تزال «داعش» تسيطر على محافظات الشرق والشمال الغنية بالنفط، وتتحكم بالطرق الدولية مع العراق وتركيا عدا منفذ واحد لا يزال بيد الثوار السوريين.
تراجعت عمليات «داعش» الهجومية بسبب استعادة الثوار توازنهم، وبسبب تلقي «داعش» ضربات متفرقة أدت لفقدها زخم الهجوم وتباطؤ عملياتها الأرضية، وتحديد مناورتهم وطرق إمدادهم، لكن الحقيقة التي لا مراء فيها أن التحالف الدولي لا يشن هجوماً مركزاً على «داعش»، لكنه يهاجم بقدر ما يحدد الحركة فقط في العراق. يختلف الأمر بوجود الجيش العراقي وميليشيات الحشد الشعبي التي تكون الميليشيات الشيعية عموده الفقري.
فالدولة في العراق تملك جيشاً يزيد على ثلاث مائة ألف مقاتل، لكن يسيطر على هذا الجيش قادة غير أكفاء، والكثير من الفساد والجبن، بالإضافة لوجود الجانب الطائفي الذي ينخر في مفهوم المواطنة ويلوث أعمال أجهزة الدولة، ومع ذلك يتلقى الجيش العراقي دعماً استخباراتياً وجوياً من التحالف، كما تدفع إيران بكل ثقلها لإضعاف فرص «داعش» في تهديد المقدسات وبغداد فقط، وهذا ملاحظ حيث تسيطر «داعش» على كل المنطقة الريفية بين بغداد وسامراء وكل غرب العراق والموصل، لكن تهديد «داعش» تمت إزاحته عن جرف الصخر القريب من كربلاء وجنوب بغداد.
أدت ضربات التحالف وعمليات الجيش العراقي والميليشيات الشيعية إلى تراجع زخم هجوم «داعش» وفقدها للمبادأة الاستراتيجية التي حققتها بعد سقوط الموصل، كما أدت عمليات فيلق القدس الإيراني إلى إزاحة تأثير «داعش» من محافظة ديالى، وظهر قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني والرجل القوي في العراق ظهر في جبهات القتال بين المقاتلين أكثر من أي مسؤول عراقي أو حتى قائد عسكري عراقي، وهذا يعكس فجوة وخوراً اتصف به القادة الميدانيون العراقيون، ما أدى إلى عزل العديد منهم وتحميلهم مسؤولية الهزائم، ووصل الأمر لاتهام بعضهم بالتآمر.
اليوم «داعش» تعيش شبه هزيمة نفسية بسبب عدم تحقيق انتصارات كبيرة كما حصل لها في بداية توسعها، لذلك لجأت إلى أفلام الرعب عالية الجودة والإخراج والمؤثرات الصوتية، لكن الحقيقة على الأرض أن «داعش» فقدت زخم هجومها الاستراتيجي، وكذلك فقدت المبادأة العملياتية، وتحاول أن تستعيد بعض المبادأة التكتيكية كما حصل يوم أمس وأربكت الجيش العراقي والقيادة العراقية فماذا حصل؟
باغتت «داعش» الجيش العراقي وقطعت طريق بغداد سامراء قرب مدينة بلد على بعد ثلاثين كيلو متراً جنوب سامراء، مما أوقع عدداً من المارة بكمين «داعش»، واختطفت عدداً من السائرين على الطريق من الجيش والشرطة والمسؤولين المحليين، فأحدثت هذه العملية المحدودة ردة فعل نفسيه تحقق فيها هدف العملية التي سرعان ما ستزول.
أما في الأنبار فقد فاجأت «داعش» القوات العراقية بالهجوم على محاور جانبية أو ما نسميه المناورة على الخطوط الداخلية للعدو فأربكت القيادة العراقية، وحققت نجاحات تكتيكية لا أثر لها على مستوى العمليات، ناهيك عن مستوى السوق أو الاستراتيجية، فما حصل في الأنبار يوم الجمعة كان نجاحاً تكتيكياً محدوداً لم يتطور إلى اختراق عملياتي، ولن يتحول إلى نجاح استراتيجي حسب المعطيات العسكرية.
أعتقد أن هدف عمليات «داعش» كان لبعثرة الجهد العراقي والدولي الموجه الآن على الجبهات الرئيسية، وستنتهي مناورتهم إلى الفشل لا محالة ما لم يرتكب الجيش العراقي حماقة كعادته في الظروف الصعبة.

Related Posts

LEAVE A COMMENT