ايران والإشادة بإخفاقات «دولتها» في العراق

عبدالوهاب بدرخان*

ايران والإشادة بإخفاقات «دولتها» في العراقايران والإشادة بإخفاقات «دولتها» في العراق أثارت إشادة المرشد علي خامنئي بنوري المالكي استياءً لدى العديد من الأوساط العراقية، بما فيها تلك القريبة من طهران.

ذاك أن آثار الأخطاء التي ارتكبها رئيس الوزراء العراقي السابق لم تنعكس فقط على الأطراف الأخرى، تحديداً السنّة والأكراد، بل أساءت أيضاً إلى المكوّن الشيعي الذي بات عُرفاً وأمراً واقعاً المهيمن على النظام العراقي. أما دواعي الاستياء فهي أن شيئاً لا يبرر التغطية على الفشل، لا الروابط المذهبية ولا الأيديولوجية ولا حتى الولائية، خصوصاً إذا كان الأمر يتعلّق بكارثة وليس بمجرد فشل. فما سقط في الموصل هو الدولة العراقية بنسختها «الجديدة»، المفترض أنها البديل والنقيض للنظام الذي سبقها واعتبر على نطاق واسع نموذجاً خاصاً للشرّ المطلق.
ففي ظل دستور اعترف بالمكوّنات الثلاثة للمجتمع وأعاد ترتيب السلطات والمؤسسات تفادياً لوقوعها مجدداً في قبضة الحكم الفردي، ورغم توزيع طائفي للمناصب، وبرلمان يعكس الواقع الاجتماعي، استطاع المالكي أن يستغلّ الصلاحيات الواسعة لرئيس الوزراء كي يعيد استنساخ صيغة حكم متفرّد بالقرار. وعندما وقعت الواقعة منتصف يونيو الماضي راح يتصرّف كأنه كبش فداء، بل أخذ يصيح بأن هناك «خيانة» تعرّض لها، وظلّ لفترة طويلة رافضاً ومعانداً ترك منصبه إفساحاً في المجال لحكومة جديدة تمثّل كل أطياف المشهد السياسي ومعطّلاً تنسيق الجهود لبدء المواجهة مع «داعش»، إلى أن جاءت كلمة السرّ من طهران باختيار حيدر العبادي بديلاً منه، بموافقة أميركية. وكان من شروط التغيير منح المالكي منصباً ليس أقل من نائب الرئيس (رغم رمزيته) وامتيازات ضخمة… فضلاً عن حصانة تعفيه من أي ملاحقة قضائية لمساءلته أو محاسبته.
ورغم أن خامنئي لا يستطيع فعلياً منع هذه الملاحقة إلا أنه حرص على تأكيد الحصانة، وقد بررها بـ «الشجاعة» التي أبداها المالكي في «الخدمات القيّمة التي بذلها لأجل تطوّر العراق واستقراره واستقلاله» وفي «دوره العظيم في انتقال السلطة لقطع الطريق على الفوضى»… وكل هذه المبررات تتعلق بما كان «يجب» أن يفعله المالكي، لكنه «لم» يفعل. فلا العراق «تطوّر» ولا هو «استقرّ» أو «استقلّ» ولا تخلّص من «الفوضى»، بل على العكس. أكثر من ذلك، أشار المرشد إلى «مساعدة المالكي للحكومة العراقية الجديدة برئاسة العبادي، والجهود التي يبذلها (العبادي) في إطار إيجاد الوحدة بين مختلف التيارات العراقية، خطوة جيدة جداً وينبغي أن تستمر». والواقع أن المالكي لم يساعد العبادي، بل ضايقه وأساء معاملته في اجتماعات حزب «الدعوة»، خصوصاً بعدما أبدى خلفه نيته إجراء تغييرات في هيكلية الجيش والأمن.
كان لافتاً في تجربة المالكي أنها ركّزت على المؤسسات العسكرية والأمنية ولم تهتمّ بالمؤسسات الأخرى التي كانت أيضاً موضع تأسيس، وكان يلزمها العمل على بلورة وفاق سياسي من خلال المشاركة في الحكم والمسؤوليات، وبالتالي في صنع القرار الوطني. لكن فشلها الكبير والعميق كان، تحديداً، عسكرياً وأمنياً. أما الفشل الذريع الآخر فكان سياسياً، بدءاً من تنكّر المالكي لـ «اتفاق أربيل» (ديسمبر 2010) لتشكيل حكومته التي لم يستكملها حتى انتهاء ولايتها. ورغم أن الدستور كان ولا يزال يحتاج، منذ ولادته والاستفتاء عليه، إلى تعديلات تنهي مآخذ المكوّن السنّي، فإن زعيم «تكتل دولة القانون» لم يضع هذا الاستحقاق المهم على جدول أعماله. أما الاستحقاق الآخر، وهو المصالحة الوطنية، فلم يكن أكثر حظاً عنده. وأما المسؤولية الكبرى الملقاة على أي حكومة فهي أن تكون الجهة التي تدعّم التعايش بين مكوّنات الشعب، وأن تحقق مبدأ «الدولة للجميع»، لكن المعلوم أن رئيس الوزراء السابق أنهى عهده بخلاف حاد مع إقليم كردستان، وكذلك المحافظات السنية التي استعداها وأمعن في استفزازها إلى أن أسقطها في الفخ «الداعشي».
قبل أن يعلن حيدر العبادي عن إقالة ستة وثلاثين ضابطاً وعزمه أيضاً على إجراء تغييرات في وزارة الداخلية، كانت مصادر عراقية عدّة تفيد بأن الإشادة الخامنئية بالمالكي «طبيعية ومفهومة» لأن الأخير كان متفانياً في التعاون مع إيران وتنفيذ توجيهاتها، لكنها تعني عملياً أن المرشد حسم أمره بدعم العبادي، وهذا ما شدد عليه خلال لقائه مع المالكي. ربما يحمل ذلك شرحاً لأسلوب إيراني معيّن في تمرير الرسائل –إعلامياً- لكن ما يبقى في أذهان العراقيين وسواهم أن ثمة «إشادة» حصلت، وفي غير محلها، مثل لزوم ما لا يلزم، فلماذا يُعاقب العسكريون وحدهم طالما أنهم نفذوا قرارات «قائدهم الأعلى» ولماذا يُمتدَح حاكمٌ ارتكب كل هذا الإخفاق، أَلِأنه وضع مستقبل العراق وشعبه في مهب الريح؟ أم لأنه لم يعمل على «إيجاد الوحدة بين مختلف التيارات العراقية» (وهو الميزة التي نوّه بها المرشد بالنسبة للعبادي)؟ أم لأنه جعل معظم أبناء طائفته يقولون، قبل سواهم، إنه السبب الرئيسي لفشل «الدولة الشيعية»؟
هذه التوصيفات الطائفية تبقى مؤسفة طبعاً، غير أنها تعكس الواقع وعفوية التعبير، فـ «الدولة» هنا هي الدولة العراقية، أو هكذا يفترض، وينبغي أن يعتبر العراقيون أنها دولتهم جميعاً، لكنها لم تكن كذلك. ولا شك أن الحفاظ عليها مسؤولية الجميع، بما في ذلك الدولة «الراعية»، أي إيران. وإذ يعزو محازبو المالكي استشراء الإرهاب إلى دول وقوى إقليمية، فإنهم لا يوضحون ما الذي حال دون «الحكم الرشيد» في عهده. وطالما أنهم يعتبرون التدخل الإيراني مساعدة قيّمة وضرورية فكيف يمكن فهم هذه «المساعدة» ومساهمتها في سياسات المالكي الكارثية: إما أنها هي التي فشلت، وإمّا أنه هو الذي فشل. فأيهما يستحق «الإشادة» إذاً؟

Related Posts

LEAVE A COMMENT