أين هو التغيير؟

رباح ال جعفر*

يَنتظر العراقيون من رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي الآن، وفي هذه اللحظة العصيبة، قرارات تشفي الغليل. حازمة، وحاسمة، وعاجلة. تثبت لهم أنه حدث بالفعل تغيّير في حياتهم، فيفتح لهم نافذة من النور، على بحر واسع من الظلم والظلام.

أعرف أن الوقت ما زال مبكراً للحكم على وزارة العبادي. لكن السؤال الملحّ: هل علينا أن ننتظر أربع سنوات أخرى لنحكم؟ وهل سنمضي بقية حياتنا نجرّب حاكماً تلو الحاكم؟
التغيير لن يجيء بالتمنيات الطيبات. فما زالت الدولة غائبة عن الوعي، وما زال القانون محتقراً، والدستور عبوات ناسفة، والأمن منفلتاً من عقاله، والقضاء مشكوكاً في نزاهته، والمظلوم خائفاً من براءته، والأبرياء وراء أسوار المعتقلات، والخدمات الأساسية انتقلت إلى رحمة الله، وبيت المال بلا مال، والميزانية مفلسة، والموازين غير مستقيمة، ومعدلات البطالة ترتفع، والعراقي يتبرم من أوجاعه، ويتحسّس جروحه، والبلد في مهب الريح، والفاسدون كالحيتان الهائجة لا يعرفون حداً للنهب المنظم وغير المنظم يقفون عنده. انتهكوا جميع الحرمات، واستباحوا كل الحدود، وفقدوا الأخلاق والشرف، وتجاوزوا كل حد معقول. من لا تسكته الحسنى يخرسه السيف.
لا تقل لي إن الأمر محكوم بدستور، وبرلمان، و بتوافقات، واتفاقات، وطاولات مستديرة، ومستطيلة، وتبويس لحى، وتطييب خواطر. لقد آن للعراق أن يستقيم الأمر فيه. لا يجوز أن نحاسب الصغار، ونتسامح مع اللصوص الكبار، ونفتح لهم الأبواب والذراعين أيضاً.
كنت أتمنى لو أن رئيس الوزراء بدأ حرباً لا هوادة فيها ضد كل فاسد مهما استقوى بكتلته السياسية. لا تأخذه في رموز الفساد وفلاسفة الهزيمة رحمة، ولا يخفق قلب. يسألهم: من أين هذا الغنى الفاحش وأنتم بالأمس تعيشون وسط الفقر المدقع؟!
تمنيت لو أن السيد العبادي يستثمر فرصته التاريخية في الانقلاب على مفردات القاموس القديمة، واللغة القديمة، ويخرج من العباءة القديمة، ويصحح الأخطاء الفادحة، التي تراكمت وتحولت إلى جريمة، بل جرائم لا تغتفر.
العبادي ستنتهي ولايته ويغادر. لكن ما سيبقى في ذاكرة الناس حين يستطيع أن يثبت للشعب أنه كان مجرد موظف في الدولة العراقية يحاسب نفسه قبل أن يحاسب الآخرين، وأنه كان بمقدور أيّ مواطن عراقي أن يستنجد به في ساعات الليل والنهار، وعندما يتمكن من إعادة كل دينار مسروق من المال العام، ويرسم ابتسامة على فم كل طفل جائع، ويمسح دمعة نزلت من عينيّ أم مفجوعة بفقد أبنائها، ويجعل الشعب كله واحداً ليست فيه أغلبية ولا أقليّة. لا أسياد ولا عبيد. ليست فيه طليعة تبني القصور ومؤخرة تنام في القبور.. وعندما يؤمن أن محكمة التاريخ صارمة لا ترحم..

Related Posts

LEAVE A COMMENT