ازمة العرب السنّة في العراق مع سياسييهم

ازمة العرب السنّة في العراق مع سياسييهم

ياسر الزعاترة*

ازمة العرب السنّة في العراق مع سياسييهمازمة العرب السنّة في العراق مع سياسييهم كثيرة هي المصائب التي وقعت على رؤوس العرب السنّة في عراق ما بعد الاحتلال؛ من تصنيفهم زورا وبهتانا كجزء من النظام السابق وحزبه (البعث) المستهدف بالاجتثاث (بعثيو الشيعة غُفر لغالبيتهم الساحقة)، إلى حشرهم في دائرة الأقلية التي لا تحصل من العملية السياسية سوى على الصدقة.

ومع هذا وذاك، إلى تحويل انتصارهم على الغزو الأميركي إلى هزيمة واقعية بوضع الحب في طاحونة القوى التي جاءت على ظهر دبابة المحتل.
ولعل الحاضر الأكبر في كل المصائب التي وقعت على رؤوس هذه الفئة هم السياسيون الذين تصدروا هذه الفئة ونطقوا باسمها طوال الوقت. وفي حين يحلو للبعض أن يحشر الأمر بالحزب الإسلامي المحسوب على الإخوان المسلمين (عارضت سياسته جميع فروع الجماعة بلا استثناء)، فإن الأمر لم يكن كذلك، إذ تورط في الجريمة سياسيون من كل الأصناف الفكرية والعشائرية، بمن فيهم أناس يعادون الحزب المذكور.
وقد أنتجت هذه الحالة البائسة سياسيين صغارا لا يعبرون عن هموم أهلهم، ثم أنتجت أمثال أحمد أبوريشة والصحوات التي استخدمها المالكي والأميركان في ضرب المقاومة برمتها، وتركيع العرب السنة تحت لافتة محاربة الإرهاب، من دون أن ننسى أن الأخطاء، بل الخطايا التي ارتكبتها الدولة الإسلامية في العراق (كان دورها حيويا في إفشال مشروع الغزو) هي التي وضعتها في مربع الصدام مع الغالبية الساحقة من العرب السنّة، وأسهمت في دفعهم نحو تبني العملية السياسية على أمل أن تنقذهم من مسار العنف والدماء.
كانت الجريمة الأكبر للفريق السياسي الممثل للعرب السنّة، والتي انبنى ما بعدها عليها هي قبول حشرهم في إطار الأقلية، بدل اعتبارهم مكونا من مكونات ثلاثة لا ينبغي أن يُبرم أمر في العراق من دونهم. والمصيبة أن نسبة العشرين في المئة التي حُشروا فيها لم تكن واقعية، إذ أثبتت انتخابات 2010 أنهم في حدود الثلاثين في المئة حتى ضمن التقسيمات الظالمة للمحافظات، والتي أشرف عليها الطرف القوي، بينما يراها كثيرون غير معبرة عن حقيقة النسبة. ولا تسأل أصلا عن مسألة الجغرافيا التي تأخذها كثير من قوانين الانتخابات في الاعتبار، وهو ما لم يحدث هنا.
طوال الوقت، تمكنت القوى الشيعية؛ بخاصة المالكي من التلاعب بالشخصيات السياسية للعرب السنة، وشرائها بالمكاسب ذات البعد الشخصي غالبا، والمناطقي أو العشائري أحيانا، والنتيجة أن أيا منهم لم يعبر تعبيرا حقيقيا عن هموم الفئة بأكملها، وحين شرب طارق الهاشمي مثلا حليب السباع وحاول التمرد عوقب بما يعرفه الجميع، ثم استهدف من بعده رافع العيساوي أيضا، فيما قبل صالح المطلك من الغنيمة بالإياب، وانضم النجيفي الذي أمل فيه كثيرون إلى ذات اللعبة البائسة، وهكذا انسحب الأمر على الغالبية من السياسيين الذين تلاعب بهم المالكي.
لا شك أن كثيرا منهم قد انحازوا إلى مطالب أهلهم حين اعتصموا سلميا، لكن المواقف ما لبثت أن تراجعت، حيث قبلوا بانتخابات في ظل حرب معلنة على الأنبار، وفي ظل عدم القناعة بجدوى العملية السياسية، ما أدى إلى نتيجة بائسة كانت أقل بكثير من النتيجة السابقة في 2010.
خلال الشهور الماضية تكرر مشهد البؤس المعروف، حدث ذلك حين اعترف العالم كله بأن ما جرى من سيطرة تنظيم الدولة على الموصل ومحافظات أخرى كان نتاج سياسات المالكي الطائفية الإقصائية التي أعادت الحاضنة الشعبية للتنظيم، وكان الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى استثمار سياسيي العرب السنة لهذه الأجواء في فرض شروط جديدة للعملية السياسية، لكن النتيجة أنهم لم يغيروا شيئا، إذا جاء المرشح الجديد من ذات الحزب (الدعوة)، وانتهى بهم المطاف إلى قبول أحد رموز منظمة بدر التي ولغت في دماء أهلهم وزيرا للداخلية، والأسوأ أننا لا نسمع لهم أصواتا تذكر ضد عمليات القتل والتهجير اليومية التي تمارسها المليشيات الشيعية تحت لافتة الحرب على تنظيم الدولة.
العرب السنة كانوا في غالبيتهم أبطالا رائعين، وهم من حملوا عن العراق والأمة عبء إفشال الغزو الأميركي وبرنامجه الخطير، لكنهم ابتلوا بسياسيين صغار تلاعب بهم المالكي، وها إن العبادي يكرر معهم ذات التجربة على ما يبدو، ما يعني أن مشهد العنف ليس في وارد التوقف لأنهم لن يتركوا السلاح ويسلموا رقابهم من جديد لوعود وهمية يرون عكسها يتحرك أمام أعينهم على الأرض.