البكاء على أطلال العراق..قراءة في رواية (ساپرچيون)

البكاء على أطلال العراق..قراءة في رواية (ساپرچيون)

رواية (ساپرچيون)

استمد مؤلف الرواية عنوان روايته من أغنية لمغن عراقي آشوري، هي أغنية (ساپرچيون) وتعني في العربية (جوالا أروح واجيء لوحدي) وربما كانت الأغنية تعبيراً صادقاً عن فقدان الأحبة لأحبتهم وأصدقائهم من سكان الحي الذين تركوا بلدهم وهاجروا الى الغرب وبالتحديد الى الولايات المتحدة.

والرواية نفسها بمثابة بكائية على هؤلاء الذين كانوا يعيشون في حي الآثوريين المعروف مع إخوانهم من العراقيين من العرب والكرد في وئام وسلام وحب، حتى جاءت الحروب (التي أدارها سماسرة الأسلحة هناك في العواصم الغربية ويديرها هنا من أراد ان يدخل التأريخ بأي ثمن ص72، بحسب رواية المؤلف، ثم ما تلا هذه الحروب وخاصة الحرب الأخيرة عام 2003 من تطاحن وانقسام واقتتال وانفجار للعنف يصفها المؤلف من خلال حديثه عن شخصية انطوائية في الرواية هي شخصية (محمد) بقوله (محمد الذي تعذبه قسوة أيام عاشها لوحده، أيام رأى فيها جثث الرجال والنساء ترمى في الشوارع والمزابل والساحات .. أيام رأى فيها الناس منقسمين يحملون الرشاشات والمسدسات ليل نهار، متحدثين عنها بمفردات لم يسمع عنها من قبل (الجزية) و (العلاسة) والمخبرين والمجاهدين والفصائل والجيوش والمليشيات و (فرق الموت) و (السيطرات الوهمية ص92 – 93)، ومعروف لكل العراقيين ما عانته الأقليات الدينية وخاصة المسيحيين والايزيديين والمندائيين و الصابئة من عنف الجماعات المسلحة المتطرفة.

في هذا النص المقتطع من الرواية، الذي يجمل الأحداث برؤية يفترض بها ان تكون رؤية شخصية محمد، تقدم لنا من خلال الراوي، دون ان نسمع صوت محمد او نرى بعينيه هو لا الراوي، وهنا نقف على ابرز الخصائص الفنية لهذا العمل، حيث يتكفل راو كلي العلم بسرد الأحداث من البداية الى النهاية، دون ان نسمع اصوات شخصياته او نطلع على رؤاهم للأحداث، ذلك ان الراوي ينوب عنهم جميعاً بأن يروي بضمير الجماعة المتكلمين (نا).
والحقيقة ان هذا العمل يثير الكثير من الاسئلة ذات الطابع الفني وخاصة فيما يخص تجنبه، فالأحداث القليلة في الرواية التي تروى بشكل إجمالي يصاحبها وصف تفصيلي استقصائي، فيما يلجأ الراوي في السرد والوصف معاً الى وسيلة شعرية هي التكرار، فما ان يرد اسم شخصية من الشخصيات حتى يكرر الراوي اسمها مرات ومرات مع وصف لها ولأحوالها قد يستغرق احيانا الصفحات.
والحقيقة ان من يقرأ الرواية حتى نهايتها ويعود الى غلافها الاول والى مصطلح (رواية) الذي وضعه المؤلف على الغلاف، يجد ان هذا المصطلح قلق، فالأحداث محدودة وقد عمد المؤلف الى تكرارها ليملأ فراغ العمل بها، كما ان النحو الدرامي غائب عن هذه الأحداث وكذلك الحبكة، ونحن إزاء عمل فني اقرب ما يكون الى قصيدة نثرية طويلة يبكي فيها مؤلفها أطلال من رحلوا من الاحبة، ولايمكن للقارئ ان يستمر في القراءة دون ان يتذكر الملاحم الشعرية وما فيها من تكرار.
ان ثمة نمطين معروفين في البناء الفني يحددان جنس العمل الأدبي، فإما ان يخضع العمل لمبدأ السببية ويراعي نظاماً زمنياً، فنكون إزاء عمل ذي مبنى كالقصة والرواية والمسرحية والملحمة او يعرض العمل تتابعياً دون تسلسل زمني او سببي فنكون إزاء اعمال غير ذات مبنى كالقصيدة الغنائية وأدب الرحلات. والعمل الذي بيع بدينار يجمع بين اكثر من جنس، انه بكل معنى الكلمة نص، نص أراد له مؤلفه ان يشبه الأغنية التي وضع عنوانها هنواناً لروايته والأغنية لاتخضع لترتيب داخلي الا اذا كانت قصيدة أحداث أي: (ملحمة او مسرحية) او قصيدة غنائية تخلصت من غنائيتها لتقترب من الأجناس الموضوعية كالدراما و القصة.
واحد الأدلة على ان المؤلف أراد ان تكون روايته شبيهه في بنائها بالأغنية الآشورية، انه قدم عرضاً في بضع صفحات اسماه (البداية) وحدد زمن البداية بانقلاب عام 1968 وبعد ذلك توالى سرد الأحداث بدون ترقيم للفصول او عنوانات، وكأننا امام التحرير او الموال في الأغنية الذي يتبعه متن الأغنية. وقد جاء السرد متواصلاً بلغة تقترب من لغة السرد الشفاهي وبعفوية تقترب من عفويته، وبضمير (نا) المتكلمين وكان الجزء الرثائي او الأكبر من الرواية هو مونولوج واحد طويل وغير منقطع.
تنتمي الرواية الى مجموعة من الروايات العراقية التي ناقشت الهجرة والرحيل الى المنفى او الغربة مثل رواية (طشاري) لكه چه چي، و (دوامة الرحيل) لناصرة السعدون وان اختلفت مواقف الكتاب من حرب عام 2003 على العراق، ومع ذلك فان الرواية بين ايدينا تتحدث عن الذين لم يهاجروا وعن الفقدان اذ يخسر العديد من الشبان أصدقاءهم وأحبتهم الذين هاجروا.
الا ان الرواية التي نناقشها تبدو مع ذلك – وكأنها بلا احداث بمعنى انه ليس ثمة حدث واحد ينمو ويتطور درامياً لنصل الى نهاية ما، وانما ثمة أحداث هجرات صغيرة لفلان وفلان، وصحيح ان الروائي قدم لنا عرضاً اوبداية لزمن احداثه البسيطة، هذه الاحداث التي يشير الراوي فيها الى انه كان طفلاً، لان لم يكن ولا أترابه يعون معنى الانقلاب الذي كانت علاماته طائرات تجوب السماء: ” كان صوت الطائرات يصلنا من بعيد، لم نفهم كلمة انقلاب، غير اننا احسسنا تماماً ان شيئاً خطيراً يحدث … ركضنا الى سعد الأسود لنجده باع الانقلاب ص16″، وفي وسط الأحداث ثمة اشارة الى (المساء الذي شهد تسلم الراية من (الأب القائد) .. القائد المقتول بإبرة السم في المستشفيات ص73، لكن كل هذه الاشارات بعيدة عن ان ترسم تسلسلاً زمنياً او تطوراً درامياً للأحداث، فكيف اذن تخلقت بين يدي الكاتب رواية عدد صفحاتها قارب المائة والثلاثين صفحة؟
لقد لجأ الشاعر الى صنعات فنية اقتبسها عن الشعر والموسيقى، وتمثلت الأولى في التكرار، كما تمثلت الثانية بتكراره الألحان المعروفة في الموسيقى السمفونية.
ان الراوي لا يأخذ بأيدينا ويرينا الشخصية وهي تعمل وتتكلم بل يروح يكرر سمات وملامح الشخصية وان امتزجت بأفعالها، فحين يذكر شخصية محمد مثلاً يقول: “محمد الغريب الذي يصغي لبكاء من رجل في أحلامه، محمد الذي يزوره وجه من رحل ، (محمد) الذي يتحدث له كل من رحل ، (محمد) الذي لم يزل يحب تلك الاثورية، ويحيي الاحاديث ويمر على الظلال والشموس ، (محمد) الذي .. الخ”، وهكذا يستمر في كتابة عشرة اسطر في مكان واحد من الرواية في وصف محمد وأحواله، ويكرر مثل هذه الأوصاف كلما مرة ذكر الشخصية في الرواية، وقد اخذ وصف شخصية (بتي) التي احبها محمداً واخرون والتي يصفها السرد بالبطة الالمانية، ثلاث صفحات في مكان واحد على غرار ما رأينا في وصف محمد (بتي) التي .. (بتي التي ص 77 – 79) وبرغم ان الوصف هو صيغة من صيغ الرواية، الا انه اساس القصيدة الغنائية، وخاصة القصيدة القديمة عندما تخلو من الاحداث او السرد فان الوصف هو الذي تيسير في القصيدة، والملاحظ على الرواية هنا ان الوصف ذو طبيعة شعرية، اي انه حافل بالصور الشعرية، الى الحد الذي يفقد احياناً أية دلالة واضحة.
ومثلما تتكرر الحان وجمل موسيقية معينة في السمفونية وتصبح لازمة فيها، كذلك عمد الكاتب الى هذه الصفحة في توصيفه لشخصياته وللمناظر المحيطة بها، وعلى سبيل المثال فقد تكررت هذه الجملة مرات عديدة قبل ان تحل محلها جملة اخرى “بتي في واقعنا وأحلامنا الهاربة وهي تظهر من خلال اشتباك أوراق الديدونيا الخضراء (كذا) وأوراق دم العاشق الحمراء (كذا) وزهر القداح الابيض ص98” او قوله وهو يتحدث عن البرنسيسة القادمة من بيروت”البنت التي وثقت بصاحب السيارة السوداء .. هي دون غيرها من الفتيات الفارعات الطول البيضاوات البضات بلا ادنى شائبة الفاتنات بمواصفاتهن واجسادهن، لتواجه خيبتها في حبيبها الذي لم تدر يوما انه سيكون كما كان”، وبعد اربعة اسطر يتكرر القول مع بعض التغيير: (الفاتنات بعاطفتهن وأجسادهن لتواجه خيبتها .. خيبة الفخ الذي وقفت فيه حين راحت تتشبث بحبه (ص10).
وهكذا انحن أمام تطريز يقترب من التوازي في الشعر في الوقت الذي يحاكي فيه الموسيقى السمفونية، وقد تبلغ هذه الوسيلة الفنية الشعرية مبلغاً يقترب من الغلو كما هو الأمر في حديث الراوي عن اليوم الذي ارتحل فيه قومه وأهله لينضموا الى سكان الحي الجديد فقد بلغ هذا الوصف التفصيلي والاستقصائي للحاجات البيتية خمسة وعشرين سطراً وفي صفحتين عن الرواية ص20 – 21.
وربما كان ظهور صوت الشخصيات واضحاً في اللغة الآشورية التي استخدمها الراوي في بعض احاديثه عن الشخصيات الاثورية او أغانيهم، ومقتصراً على هذه المواقع، وكأنه نمط من التطريز يضاف الى الأنماط السابقة.
وعلى أية حال فان مؤلف الرواية ليمثل الكثر الكاثرة من العراقيين الذين يشعرون بالاسى والحزن لان جزءاً اصيلاً من نسيج هذا المجتمع ينفصل عنه بفعل هذا العنف الأهوج المجنون الذي عانى ويعاني منه جميع العراقيين، لقد بكى المؤلف اصدقاءه وأحبته الذين غابوا وبشكل جميل!!