بعيدا عن السياسة… إنه عصر الفوضى حقا

بعيدا عن السياسة… إنه عصر الفوضى حقا

عصام فاهم العامري*

الاضطراب الذي يشهده العديد من الدول العربية منذ احداث «الربيع العربي» هو أشبه بالصبي الصغير في القصة الخيالية، الذي يقول ما يعلمه الجميع انما يخشون قوله: «الامبراطور عار من الثياب».

فالعالم بأسره يشهد تصدعات في كل الميادين، من الانسان الفرد الى الدول. هذا التصدع صار يلمسه الانسان في حياته اليومية، سواء في حياته الاسرية او في علاقاته الاجتماعية، فضلا عن البيئة التي يتعاطى معها، سواء كانت مدرسة او جامعة او مؤسسة حكومية او عمل خاص، بل في متابعاته التلفزيونية او عبر الانترنت، وفي معلوماته القديمة والجديدة والمستجدة.
لقد اصبحنا نواجه التغيير في بيئاتنا وحياتنا على نحو متزايد وبشكل متسارع .. فآباؤنا واجدادنا قضوا معظم حياتهم مستقرين.. اما نحن فكثيرا ما اضطررنا لاسباب عديدة إلى عيش حياة شبه مستقرة.. حتى صار البعض يحمل اكثر من جنسية وينتمي لاكثر من وطن.. اما أبناؤنا فمأساتهم أكبر .. اذ ضاع عليهم الاستقرار. حركة الاشياء حولنا تتزايد وبتسارع مسعور، وصرنا نواجه فيضانا متصاعدا من الاصناف القصيرة العمر والمنتجات المتغيرة والسلع المصممة لتموت بع فترة قصيرة من استعمالها.
والحقيقة المرتبطة بالحقائق اعلاه ان انسان القرن الواحد والعشرين يعيش حياة ذات زوال اعلى، اي ان علاقاته تدوم اقل، وبعبارة واضحة فان حياته تصير بالاشياء والامكنة والناس والافكار والتنظيمات مستهلكة بشكل اسرع. وهذا يرتب مجموعة من الحقائق في مقدمتها أولا، ان الروابط الانسانية تضعف، فالمعلوم ان سكان المدن لا يستطيعون أن يقيموا علاقات وثيقة مع كل جيرانهم، كما يفعل سكان المناطق غير الحضرية وفي الريف او سكان المجتمعات الصغيرة. فالواضح الان ان افراد الاسرة العصرية اصبحوا قليلا ما يلتقون؛ ربما هم يلتقون في عطلة نهاية الاسبوع او خلال اليوم ساعة او ساعتين؛ وحتى عندما يلتقون غالبا ما يكون كل واحد منهم مشغولا باهتماماته الخاصة.. كالانشغال باجهزة الهواتف الذكية او بعلاقات مع العالم الافتراضي عبر شبكات ومواقع التواصل الاجتماعي، التي اضحت العلاقات عبرها اقوى من العلاقات بين افراد الاسرة الواحدة احيانا.
ثانيا الوفرة المتاحة لكل شيء وعن كل شيء خلقت بدورها فائض الاختيار؛ واحيانا كثيرة حيرة الاختيار، لاسيما في ظل غياب نمطية السلع والمنتجات، بما فيها معلومات المعرفة والاساليب الثقافية.. وفي احيان كثيرة يوجد تقاطع وتضارب، على سبيل المثال قبل ايام قليلة احتارت زوجتي واضطربت لانها قرأت معلومة من الانترنت عن ان استهلاك الحليب بمقدار ثلاثة أكواب يوميا من قبل الشخص الذي يبلغ من العمر فوق الاربعين سنة ممكن ان يؤدي الى تقليل عمره؛ وهي معلومة تتناقض وتعاكس كل المعلومات المتخصصة والمتداولة بشأن فائدة الحليب للاشخاص في هذه الفئة العمرية. ما أريد أن أقوله ان الوفرة المتاحة وفائض الاختيار أضحيا يصيبان الانسان العصري بالحيرة والاضطراب والتمزق، فضلا عن وفرة الانتماء، لاسيما في ظل وفرة وتنوع وكثرة الكيانات الاجتماعية التي اصبحت عوالم مواقع التواصل الاجتماعي تتيحها بشكل عابر للحدود والقارات.. وبالنتيجة تمزقت الروابط التي يفترض ان تكون اصيلة، فتدنت الروابط الاسرية وعلاقات الصداقة، وهذا كله أضعف الروابط التقليدية، بما فيها القانونية وروابط الهوية المركزية في ظل الانقسامات السريعة، في ما يتصل بالقيم واساليب الحياة التي صارت تتحدى كل ميكانيكيات التكامل القديمة، وتفرز مشــكلات تختص بالتكامل الفردي.
وكانت نتيجة ذلك كله هذه الفوضى العارمة التي صار الانسان العصري يواجهها، فعندما يفرض على الافراد – كل الافراد – الكثير جدا من التغيير خلال الوجيز جدا من الزمن، يصاب الافراد بالتشتت والتمزق، فمحتوى التغيير واثار هذا التغيير فرض هوية أنشأت متاعب اجتماعية ونفسية وثقافية واقتصادية وسياسية، تكاد تؤثر في كل ناحية من نواحي الوجود الحياتي للانسان. هذه المتاعب تولدت من عدم انتظام معدلات التغيير في القطاعات المختلفة في المجتمعات والقدرة على التكيف معها. والفوضى تنشأ ليس فقط نتيجة تباين معدلات التغيير في القطاعات المختلفة في مجتمعات متباينة، ولكن ايضا بسبب معدلات التغيير والانقسامات الواسعة في مناطق العالم المختلفة من جهة؛ ومن جهة اخرى بسبب سرعة التغيير في البيئة وسرعة الانسان المحدودة في التجاوب معها ووجود الهوة القائمة بين هذا وذاك .