“بروفة” لإعادة النظر بسايكس – بيكو

“بروفة” لإعادة النظر بسايكس – بيكو

فيصل جلول*

ما يدور في عين العرب (كوباني) أكثر من حرب لاحتلال مدينة استراتيجية، بل هو أشبه برسم خطوط ومواقع قد تحدد في مداها الأقصى، مصير الحدود داخل المشرق العربي، وفي مداها الأدنى مصير العراق وسوريا . وفي كل الحالات تنطوي على تعرض واضح لحدود سايكس – بيكو وتنطح الاتفاقية على جبهتها الأمامية.
هذا الانطباع لاح في الأفق غداة اندلاع معركة “عين العرب” بصورة مفاجئة قبل أسابيع، قيل حينذاك إن “داعش” راغبة في تصفية موقع استراتيجي محايد وليس حليفاً لأي من أطراف الحرب، حتى إذا ما سيطرت عليه تحمي خلفيتها وتوسع نطاق سيطرتها على شطر واسع من الحدود السورية – التركية، لتوفير الدعم اللوجستي الذي ترغب به، ولاستئناف الحرب بسهولة أكبر في الجبهات الكلاسيكية مع الجيش السوري، فضلاً عن تصفية مواقع خصومها ومنافسيها المجاورين، بحيث تصبح الطرف الأوحد في مواقع القتال مع الدولة السورية تماماً، كما هي الحال في كونها الطرف الأوحد في القتال مع الدولة العراقية .
وإذا كان حجم التعبئة وحجم الوسائل المالية المستخدمة في الحرب “الداعشية” في سوريا والعراق كبيراً ويرقى إلى موازنة دول وعديد جيوشها، فالتخطيط الذي تتبعه يتناسب مع هذه الوسائل، بل يستدعيها، وذلك بهدف توحيد قلب العراق وسوريا، وخلق دولة تتمدد في الاتجاهات كافة، وتعيد النظر في مجمل حدود المشرق العربي، وتتحول إلى قطب يهدد جيران العرب، ربما باستثناء تركيا التي يبدو أنها ما عادت حذرة في التعاطي مع “داعش”، وبالتالي ترفض الانخراط في التحالف الدولي ضدها، وترفض قتالها بداعي أنها شبيهة بالنظام السوري . التطور الجديد في هذه الحرب المصغرة يكمن في دخول البيشمركة على الخط، وبالتالي اختراق حدود سايكس – بيكو بمباركة دولية للمرة الأولى . بعبارة أخرى يتدخل إقليم كردستان العراق لحماية أكراد سوريا في عين العرب، بما يتناقض مع حدود سايكس – بيكو، وضد طرف ضرب هو الآخر الاتفاقية الشهيرة، وهدد ويهدد بعدم احترام امتداداتها في دول أخرى .
في المحصلة الأولى في هذه النقطة بالذات، نحن أمام طرف متشدد وإرهابي وقاتل، قرر إقامة دولة في قلب العراق وسوريا، ما استدعى تضامناً كردياً عابراً للحدود، أي من الطبيعة نفسها، وطامحاً لإقامة كردستان الكبرى التي غالباً ما اعتبرت الضحية الأهم للخرائط التي رسمت في هذه المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية .
لقد صار واضحاً من الآن فصاعداً أن سياق الحرب الكردية – “الداعشية” سيؤدي إلى أمر واقع جديد، تنتظمه حدود جديدة يمكن محوها ويمكن تثبيتها بواسطة الحرب فقط، ولعل اشتراك معظم القوى الأساسية في هذا العالم في الحرب بهذا القدر أو ذاك، ينطوي على رهان يتعدى أهداف المعركة المباشرة إلى خريطة المنطقة وفرض حدود جديدة فيها .
ثمة من يعتقد أن هذا التقدير ليس واقعياً، وأن الحرب الدائرة حول عين العرب محلية أكثر من أي شيء آخر، وأن “داعش” والأكراد يمكن ردعهم إذا ما توفرت النوايا وتطابقت الحسابات الإقليمية والدولية . ولكن السؤال هو: هل تتوفر النوايا وهل تنطبق الحسابات الدولية والإقليمية في هذه المعركة؟
أغلب الظن أن نوايا إيقاف الحرب ليست قوية، خصوصاً من طرفي “داعش” وتركيا، فالأتراك هم الذي أغمضوا أعينهم، وربما تواطأوا مع “داعش” بطريقة سرية خلال الأشهر القليلة الماضية، بل هناك شكوك قوية في أن استراتيجية “داعش” مبنية على حسابات إيجابية من تركيا . ومما يؤسف له أن أدلة عديدة تسير في هذا الاتجاه، أولها أن “داعش” قتلت رهائن تختطفهم من كل الجنسيات وأفرجت عن الأتراك، وهي لا تجرؤ على التعرض لمقام سليمان شاه، وتعمل على تقديم الخدمات للأتراك عبر التصدي لأعدائهم وخصومهم، وتستفيد من دعمهم اللوجستي وتبني استراتيجيتها على حيادهم الإيجابي على الأقل، أو على تأييدهم الضمني، أضف إلى ذلك مساهمة “داعش” في السماح لتركيا بلعب أوراق عديدة في الصراع السوري، وفي عقد مساومات وتحقيق مكاسب، من بينها مؤخراً الاتفاق مع أكراد العراق على الدخول إلى عين العرب وتولي الأمن فيها، في سياق الدفاع عنها، وبالتالي ضمان ليس فقط عدم سقوط المدينة وتحولها إلى مثال درامي كمدينة سريبرينتسا البوسنية، وإنما أيضاً ضمان عدم إفادة الأكراد الذين يؤيدون حزب العمال الكردستاني التركي من هذا الانتصار، وتوظيفه في خدمة أشقائهم الأكراد العراقيين .
وليست نوايا وحسابات إيقاف الحرب قوية من طرف الولايات المتحدة التي تعتقد أن القضاء على “داعش” يمكن أن يفيد النظام السوري، وبالتالي ضبط الحرب الجوية وتكثيفها على هذه المنظمة بقوة في العراق، وبما يفيد النظام العراقي وحصر الضربات في الجانب السوري، بالقدر الذي لا يتيح لهذه المنظمة التوسع وتحقيق انتصارات سريعة . بكلام آخر يبدو التدخل العسكري الأمريكي في سوريا تكتيكياً ومحدوداً بحدود الحفاظ على مستوى معين من الصراع الذي لا يعين النظام السوري على قلب الموازنة رأساً على عقب .
من جهة دمشق لا يبدو أن وسائلها وتحالفاتها قادرة على وضع حد ل”داعش” وشقيقاتها، وبالتالي سيكون على النظام السوري أن يخوض حرب استنزاف يراد لها أن تضعفه وتضعف حلفاءه وتستنزفهم على كل صعيد .
يفيد ما سبق أن حدود سايكس – بيكو هي الهدف الأكبر لحرب عين العرب، كما كانت بالنسبة لحرب الموصل والأنبار، فمن جهة هناك من يرغب في تشكيل دولة إسلامية عابرة للحدود في قلب سوريا والعراق، وهناك من يرغب أيضاً في استقلال كردستان العراقية والسورية على الأقل، بانتظار وصل الأطراف الأخرى في حروب وظروف أخرى، وهذا يعني أن الحرب تتوقف على جثة سايكس – بيكو باتفاق إقليمي ودولي، أو تستمر حتى تختفي حدود الاتفاقية مع طول أمد الحرب، وفي الحالتين يكون أثر السير سايكس والمسيو بيكو قد عاش قرناً بالتمام والكمال، وهذا ليس بالزمن القصير .