مجـموعة آثار عراقية قديمة يعلوها الغبار في متحف فرنسي صغير

مجـموعة آثار عراقية قديمة يعلوها الغبار في متحف فرنسي صغير

آثار عراقيةالكاتب: الدكتور صباح الناصري 

عندما دخلت لأوّل مـرّة في مـتـحـف الآثـار Musée des Antiquités في مـديـنـة روان Rouen في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي، شـمـال فـرنـسـا، لـم أجـد إلّا ثـلاثـة أو أربـعـة زوّار يـنـظـرون بـمـلـل إلى قـطع مـنـحـوتـة مـن الـقـرون الـوسـطى جـلـبـت مـن خـرائـب قـصـور أو كـنـائـس قـديـمـة وإلى شـظـايـا زجـاجـيـات نـوافـذ اظلـمّـت ألـوانـهـا وإلى خـشـبـيـات مـنـحـوتـة اهترأت والـتهـم الـدّود مـعـظم أجـزائـهـا، ثـمّ درتُ مـعـهـم حـول آثـار رومانـيـة قـديـمـة مـن بـيـنـهـا فـسـيـفـساء رمـمـت وأكـمـلـت حـتّى لـم يـعـد بـالإمـكان الـتّـفـريـق بـيـن أجـزائـهـا الأصـلـيـة والـمـضافـة.

ولـكـنـني لـم آت لـهـذا رغـم فـضـولي وحـبّي لـكـلّ مـا هـو قـديـم، فـقـد أتـيـت لأنّي قـرأت أن الـمـتـحـف يـمـتـلـك مـجـمـوعـة آثـار مـصـريـة و” آثـار شـرقـيـة “.
وبـعـد أن عـبـرت كـلّ هـذه الـقـاعـات، وصـلـت إلى مـمـر ضـيّـق ألـصـقـت عـلى جـدرانـه دوالـيـب بـواجـهـات زجـاجـيـة في بـعـضـهـا قـطـع أثـريـة مـصـريـة جـذب نـظـري أمـامـهـا عـجـوزان ألـصـقـا نـظـاراتـهـمـا عـلى الـزّجـاج يـحـاولان تـمـيـيـز أشـكـال الـقـطع وألـوانـهـا، وخـلـف الـعـجـوزيـن، في الـواجـهـة الـتّـالـيـة ،فـوجـئـت بـلـوح مـن ألـواح غـوديـا يـظهـر أمـام عـيـنيّ .
وسـرتُ مـشـدوهـاً حـتّى وقـفـت أمـام الـلـوح وقـرأت الـنّـص الـمـسـمـاري الـمـكـتـوب عـلـيـه بـالـلـغـة الـسّـومـريـة:
” الإلـهـة غـا ـ تـوم ـ دو dingir ga- tum-du
ربـتـه nin -a – ni
غـوديـا gu- dé -a
أمـيـر énsi (PA. TE. SI)
لـغـش lagash (SHIR. BUR. LA) ki
مـديـنـة الإلـهـة غـا ـ تـوم ـ دو ur- dingir-ga-tum-du- ke
مـعـبـدهـا في غـرـ سـو é-gir-su ki-ka-ni
شـيّـده mu- na- du “.
و لاحـظـت حـول نـصّ غـوديـا ألـواحـاً مـسـمـاريـة بـعـضـهـا مـغـلـفـة بـظـروفـهـا الـكـامـلـة أو الـمـكـسـورة وبـعـضهـا عـاريـة مـن غـيـر ظـروف ، وقـطـع سـومـريـة أخـرى مـنـهـا مـسـامـيـر تـأسـيـس ومـنـهـا أخـتـام أسـطوانـيـة وضعـت هـكـذا أمـام الـواجـهـة الـزّجـاجـيـة لـم يـكـتـب أمـامـهـا ولا حـولـهـا شيء ، يـتـيـمـة لا تـسـمـيـات لـهـا، يـمـر الـزّوار أمـامـهـا مـن غـيـر أن يـعـرفـوا أنّـهـا من أقـدم مـا أنـتـجـتـه الـبـشـريـة مـن نـصـوص وأعـمـال فـنّ !
وعـنـدمـا اسـتـجـوبـت الـحـارس، أجـابـني أنّـه لا يـعـرف عـنـهـا شـيـئـاً ، وأخـبـرني أنـني لا أسـتـطـيـع تـصـويـر الـواجـهـة الـزّجـاجـيـة فـالـتّـصـويـر مـمـنـوع في الـمـتـحـف. ودفـعـه مـلـلـه إلى أن يـبـقى سـاكـنـاً بـلا حـركـة طيـلـة الـنّـهـار إلى أن يـقـتـرح عـليّ مـصاحـبـتي إلى “مـكـتـبـة الـمـتـحـف” عـلّـنـا نـجـد فـيـهـا مـا يـشـبـع فـضـولي .
وكـانـت الـمـكـتـبـة زاويـة ضـيّـقـة مـن الـمـتـحـف تـبـاع فـيـهـا، إلى جـانـب الـبـطاقـات الـمـصورة ، كـتـيّـبـات صـغـيـرة عـن الـمـعـروضـات. ولـم يـكـن فـيـهـا طـبـعـاً ذكـر لـبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن ولا لـلـقـطـع الأثـريـة الّـتي جـلـبـت مـنـهـا. وعـنـدهـا اقـتـرح عـليّ الـحـارس أن يـعـطـيـني اسـم الـمـسـؤولـة ورقـم هـاتـفـهـا فـهي تـسـتـطـيـع أن تـجـيـب عـن أسـئـلـتي وربّـمـا اسـتـطـاعـت أن تـبـعـث لي بـصور لـلـقـطـع الأثـريـة مـمـا يـمـتـلـكـه الـمـتـحف عـنـهـا وركـض يـبـحـث عـن ورقـة وقـلـم ويـسـجـل لي الـمـعـلـومـات. وطـبـعـاً فـقـد شـكـرتـه كـثـيـراً عـلى لـطـفـه، وبـدا سـعـيـداً بـذلـك.
الأب دو جُـنـويّـاك :
وقـد ظـلـلـت أفـكّـر في طريـق عـودتي كـيـف وصـلـت هـذه الـقـطع إلى هـذا الـمـتـحـف، عـنـدمـا عـاد إلى ذاكـرتي أنّ أحـد الـمـنـقّـبـيـن الـفـرنـسـيـيـن الأربـعـة الّـذيـن تـتـالـوا عـلى مـوقـع لـغـش / غـرسـو الـسّـومـري كـان الأب دو جُـنـويّـاك Abbé de Genouillac الّـذي ولـد في الـمـنـطـقـة ونـقّـب في الـعـراق مـرتـيـن ، في تـلّ الأحـيـمـر ( مـوقـع كـيـش ) في 1911/ 1912 ، وفي تـلّـو / تـلّ لـوح ( مـوقـع لـغـش / غـرسـو ) مـن 1929 إلى 1931، قـبـل أن يـعـود إلى قـريـة فـيـلـيـيـن سـورسـيـن في الـنّـورمـانـدي لـيـكـمـل مـا كـان قـد بـدأه فـيـهـا في مـطلـع شـبـابـه، خـوريـاً في كـنـيـسـتـهـا ، حـتّى مـات فـيـهـا عـام 1940.
وعـنـدمـا بـحـثـت في الـمـسـاء عـمّـا كـنـت قـد كـتـبـتـه عـن الأب هـنـري دو جُـنـويّـاك بـيـن مـن كـتـبـت عـنـهـم وجـدت أنّـه ولـد في روان Rouen ، في مـنـطـقـة الـنّـورمـانـدي شـمـال فـرنـسـا عـام 1881. وبـعـد أن تـابـع دراسـتـه في حـلـقـة دراسـيـة ديـنـيـة اشتغل خـوريـاً في قـريـة صـغـيـرة فـيـلـيـيـن سـورسـيـن. وقـد بـدأ يـهـتـمّ أيـضـاً في مـطـلـع شـبـابـه بـبـلاد مـا بـيـن الـنّـهـريـن ، ونـشـر عـام 1908
(وكـان في الـسّـابـعـة والـعـشـريـن مـن عـمـره) كـتـابـاً عـن الأدب الـبـابـلي: عـبـر الأدب الـبـابـلي
A travers la littérature babylonienne. وفي 1909 نـشـر نـصـوصـاً ســومـريـة مـن الـفـتـرات الـقـديـمـة مـع تـرجـمـاتـهـا إلى الـفـرنـسـيـة: ” Tablettes sumeriennes archaïques ” . وفي 1910 نـشـر كـتـابـاً عـن نـصـب الـنّـصـر الـسّـومـري الـقـديـم الـمـحـفـوظ في مـتـحـف الـلـوفـر في بـاريـس.
وبُـعـث بـعـد ذلـك إلى إسـطـنـبـول لـدراسـة الـنّـصـوص الـمـسـمـاريـة الـمـحـفـوظـة في الـمـتـحـف الـعـثـمـاني، وأعـدّ جـرداً كـامـلاً لـلألـواح الـمـسـمـاريـة الّـتي كـانـت قـد وجـدت في مـوقـع تـلّـو ، ونـشـرهـا في عـدّة مـجـلـدات. وعـهـد إلـيـه بـالإشـراف عـلى الـتّـنـقـيـبـات الأثـريـة الـفـرنـسـيـة الّـتي جـرت بـيـن كـانـون الـثّـاني ونـيـسـان 1912 في تـلّ الأحـيـمـر ( مـوقـع كـيـش الـقـديـمـة) ، والّـتي نـشـرت نـتـائـجـهـا في جـزئـيـن ، في 1924 و 1925.
وقـد نـقّـب الأب دو جُـنـويّـاك في تـلّـو ( تـلّ لـوح ) أي مـوقـع مـديـنـة لـغـش/ غـرسـو الـقـديـمـة مـن عـام 1929 إلى عـام 1931، لـحـسـاب مـتـحـف الـلـوفـر و وزارة الـتّـعـلـيـم الـعـام الـفـرنـسـيـة، وكـان أوّل مـوقـع نـقّـبـه فـرنـسـيـون لـسنـوات طـويـلـة مـتـعـاقـبـة.
وكـان أرنـسـت دو سـرزيـك Ernest de SARZEC ، نـائـب الـقـنـصل الـفـرنـسي في الـبـصـرة قـد بـدأ تـنـقـيـب هـذا الـمـوقـع مـن 1877 إلى 1900، ثـمّ اسـتـمـرّ غـاسـتـون كـرو Gaston CROS في تـنـقـيـبـه مـن 1903 إلى 1909.
و قـد اصـطـحـب دو جُـنـويّـاك مـعـه إلى تـلّـو عـالـم آثـار كـان شـابـاً في ذلـك الـزّمـن : أنـدريـه بـاروAndré PARROT لـيـشـارك في الـتّـنـقـيـب. وبـعـد أن تـوقـف دو جُـنـويّـاك عـن الـتّـنـقـيـب حـلّ مـحـلـه أنـدريـه بـارو الّـذي نـقّـب في الـمـوقـع مـن 1931 إلى 1933.
وبـعـد أن تـرك دو جُـنـويّـاك الـعـراق، عـاد إلى قـريـة فـيـلـيـيـن سـورسـيـن في الـنّـورمـانـدي لـيـكـمـل مـا كـان قـد بـدأه فـيـهـا في مـطـلـع شـبـابـه، خـوريـاً في كـنـيـسـتـهـا ، حـتّى مـات فـيـهـا عـام 1940.
وكـان قـد أهـدى قـبـل وفـاتـه إلى مـتـحـف الآثـار في مـديـنـة روان مـجـمـوعـة تـحـتـوي عـلى 650 قـطـعـة أثـريـة مـن بـيـن مـا كـان قـد عـثـر عـلـيـه في تـنـقـيـبـاتـه في الـعـراق أو مـا اشـتـراه مـن مـهـربي الآثـار. والـغـالـبـيـة الـمـطـلـقـة مـن هـذه الـقـطـع نـصـوص بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة.
مـاذا حـدث لـهـذه الـمـجـمـوعـة الأثـريـة؟
اتّـصـلـت في الـيـوم الـتّـالي بـالـمـسـؤولـة الّـتي أخـبـرتـني أنّ الـ 650 قـطـعـة أثـريـة تـرقـد في مـخـازن الـمـتـحـف وأنّ أحـداً لا يـمـكـنـه أن يـراهـا فـقـد بـدأوا بـجـردهـا وبـعـث صـورا لـهـا لـعـلـمـاء آشـوريـات بـاريـسـيـيـن لـيـقـرأوا مـحـتـويـاتـهـا ! وكـان ذلـك قـبـل عـامـيـن ، أي بـعـد 72 عـامـاً عـلى إهـداء الأب لـهـا إلى الـمـتـحـف ! وظـلّـت الأمـور عـلى حـالـهـا عـنـدمـا عـدت إلى الـمـتـحـف في الـعـام الـمـاضي.
وعـنـدمـا عـدت إلى الـمـتـحـف في الأسـبـوع الـمـاضي ، اتجهت مـبـاشـرة إلى الـمـمـر الـضّـيـق ، وفـوجـئـت بـه مـغـلـقـاً يـعـمـل فـيـه عـمّـال عـلى تـركـيـب دوالـيـب جـديـدة ، وطـبـعـاً فـلـم يـكـونـوا يـعـرفـون شـيـئـاً عـمـا حـدث لـلـقـطـع الـقـلـيـلـة الّـتي كـانـت مـعـروضـة فـيـه. وسـألـت حـارسـاً كـان يـغـفـو عـلى كـرسـيـه فـأشـار لي بـأن أسـتـديـر إلى الـيـسـار … ولـم أرد أن أوقـظـه تـمـامـاً مـن نـومـه فـتـركـتـه مـن غـيـر إلـحـاح. واسـتـدرت إلى الـيـسـار، وعـبـرت قـاعـة تـضـم بـقـايـا مـحـتـويـات قـبـر نـقّـب في الـمـنـطـقـة … وأبـصـرت في نـهـايـتـهـا بـمـمـر ضـيّـق صـغـيـر آخـر لـمـحـت في واجـهـة زجـاجـيـة فـيـه تـمـثـالاً لـرأس غـوديـا !
وكـان مـمـراً ضـيـقـاً يـمـتـد عـرضـاً بـيـن بـاب يـبـدو أنّ خـلـفـه مـكـتـب يـدخـلـه مـوظـفـون ويـخـرجـون مـنـه ، وبـيـن بـاب يـفـضي إلى حـديـقـة الـمـتـحـف . وكـانـت الـدّوالـيـب الـمـثـبّـتـة عـلى جـداره تـحـتـوي في يـمـيـنـهـا عـلى خـزف عـثـمـاني وفي يـسـارهـا عـلى بـعـض قـطـع مـجـمـوعـة الأب دو جُـنـويّـاك.
ولـم أجـد لـوح غـوديـا الّـذي يـتـوجـه فـيـه لإلـهـتـه غـا ـ تـوم ـ دو. ووجـدت بـدلاً مـنـه خـمـسـة ألـواح طـيـنـيـة بـالـكـتـابـة الـمـسـمـاريـة تـعـود إلى سـلالـة أور الـثّـالـثـة (نـحـو 2112 ـ 2004 قـبـل الـمـيـلاد ) وإلى سـلالـة بـابـل الـقـديـمـة ، حـكـم شـمـشـو إلـونـا ( 1749ـ 1712 قـبـل الـمـيـلاد) ، وخـمـسـة أخـتـام أسـطـوانـيـة تـعـود إلى الـسّـلالات [ الـسّـومـريـة ] الـقـديـمـة الـثّـانـيـة ( 2750ـ 2600 قـبـل الـمـيـلاد)، وفـتـرة أكّـد ( 2340 ـ 2200 ق. م. ) ، والـفـتـرة الـسّـومـريـة الـجـديـدة ـ الـنـيـو سـومـريـة ـ (2140ـ 2004 ق. م.)، وسـلالـة بـابـل الأولى ( 1894ـ 1596).
كـمـا عـرض إنـاء صغـيـر عـلـيـه نـقـش مـكـتـوب مـن فـتـرة حـكـم الـمـلـك الـبـابـلي نـبـوخـذنـصـر ( 604ـ 562 ق. م.) وإنـاء مـن الـجـص نـحـتـت عـلـيـه أسـود وثـيـران مـن فـتـرة جـمـدة نـصـر ( 3100ـ 2900 ق.م.) ، ومـنـحـوتـة بـارزة طـيـنـيـة مـن فـتـرة الـسّـلالات [ الـسّـومـريـة ] الـقـديـمـة الـثّـانـيـة
( 2700 ـ 2550 ق. م.)، وجـزء صـغـيـر مـن مـنـحـوتـة أخـرى مـن نـفـس الـفـتـرة .
كـمـا أضـيـفـت إلى هـذه الـقـطـع الّـتي لا تـجـذب نـظـر الـزّوّار نـسـخ جـبـسـيـة لأربـع قـطـع أثـريـة مـهـمـة كـان أرنـسـت دو سـرزيـك قـد عـثـر عـلـيـهـا في لـغـش / غـرسـو في 1881، وأصـولـهـا مـعـروضـة في مـتـحـف الـلـوفـر في بـاريـس.
وخـلاصـة الـقـول إنّ الـمـتـحـف لـم يـعـرض إلّا 14 قـطـعـة أثـريـة مـن بـيـن الـ 650 قـطـعـة الّـتي أهـداهـا لـه الأب دو جُـنـويّـاك . ولـم تـنـشـر بـعـد ولـو دراسـة صـغـيـرة عـن هـذه الـمـجـمـوعـة بـعـد 74 سـنـة مـن وصـولـهـا إلى الـمـتـحـف.