في البيئات الحاضنة للتطرف

عبدالإله بلقزيز*

ليس في وسع جماعةٍ مسلحة أن تعيش مستقرة في منطقة، وأن توسّع نفوذها فيها وخارجها، وتأمن على نفسها من أخطار الرد العسكري عليها: من خارج مناطق انتشارها وسيطرتها ومن داخل تلك المناطق، من دون أن تتمتع ببيئة حاضنة تشكل لوجودها ما يشبه حزام الأمان، من جهة، وترفدها بالدعم الحياتي والقوى والموارد البشرية التي يزيد بها تعدادها . والتجارب التاريخية، والمعاصرة منها خاصة، تطلعنا على حقيقة أن فقدان البيئة الحاضنة، لدى جماعة مسلحة ما، يفقدها فرص البقاء والاستمرار، وقد يسرع من وتائر انحلالها، فالبيئة الحاضنة هي الماء التي تسبح فيه السمكة، على ما يقول تشبيه ثوري شهير .
فلقد تكون المجموعة المسلحة قليلة العدد وتبقى حية متماسكة، إن وجدت لها بيئتها الحاضنة وقد تكون وفيرة العدد لكنها تضمحل أو تنفرط أو تنقرض إن لم تتمتع بمثل تلك البيئة، ولقد أسهب كثيرون في تفسير أسباب نجاح الثورة في كوبا، بتوفر بيئتها الحاضنة في السييرامايسترا وغيرها، وبفشل ثورة إرنستو تشي غيفارا في بوليفيا بفقدانها نظير تلك الحاضنة التي توافرت لها في كوبا .
ولقد تكون البيئة الحاضنة تلك بيئة حاضنة لأن الجماعة المسلحة المتمركزة فيها، أو اللائذة بها، جزء من النسيج الاجتماعي لتلك البيئة، بحيث تشدها إليها روابط القرابة الدموية، أو روابط الموطن والجوار، وقد تكون كذلك (أي بيئة حاضنة) لأن أفكار الجماعة تلك ومواقفها تلقى ترحيباً أو استقبالاً ما إيجابياً من تلك البيئة الحاضنة، كما قد تكون استجابة موضوعية لتلاقٍ، عند مكانٍ ما، بين أغراض الجماعة المسلحة ومصالح وأهالي تلك البيئة التي ستصبح -تبعاً لذلك التلاقي- بيئة مناسبة لاستقرار الجماعة المسلحة بين ظهراني الأهالي أولاء، والعادة درجت، عند الجماعات المسلحة في كل مكان، على أن تؤخذ في الحسبان هذه الأحوال كافة من التناسب أو التجافي بين المجموعات المسلحة و(بين) بيئاتها الحاضنة، فكان حرصها شديداً على ألا تنتقي من تلك البيئات إلا ما تستطيع أن تعيش فيه بأمان مطلق، وما يمكن أن يوفر لها ما يتجاوز الملاذ إلى الحدب والذب والمشاركة في الدفاع عن الموقع المشمول بالمحالفة بين الضيف والمضيف .
وتطلعنا تجارب التاريخ المعاصر على حقيقة أن أكثر البيئات الحاضنة صموداً، واستعصاءً على الإسقاط – أو على تفجير التناقضات الداخلية – هي تلك التي تنتسج فيها العلاقة مع الحركات المستضافة على قاعدة علاقات القرابة الدموية ويتبع هذه في الأهمية العلاقات العصبوية غير الدموية – أي غير القائمة على مبدأ النسب – مثل علاقات الانتساب الطائفي أو المذهبي أو الإيديولوجي، يصعب في مثل هذه البيئات، التي من هذين الصنفين، إلحاق الهزيمة بالجماعات المسلحة اللائذة بها، أو حتى تنمية التناقضات بين هذه الجماعات وحاضنتها الاجتماعية، فعلاقات القرابة الدموية، المستوية على مبدأ النسب، وعلاقات الاعتصاب الطائفي والمذهبي – وإن بدرجة ثانية – تشكل ما يشبه السد والحائل اللذين يمنعان اختراق الصلة بين هاتيك الجماعات وحاضناتها، إن نظام القيم، هنا، لايسمح للبيئة الحاضنة بالتحلل من مسلحين هم، عادة، من أبنائها، الذين قد تحسبهم أسنانها وأظافرها التي تؤدي عنها دور المدافعة والحماية .
يختلف الأمر حين لا يكون بين الجماعة المسلحة وبيئتها الحاضنة من رابطٍ أهلي يبرر لهما المحالفة والتعاضد، أي حين يكون ما بينهما لا يتعدى روابط المصلحة، وهذه ليست دائمة ولا مما ينتمي إلى الحُرم الذي لا ينتهك . لذلك يمكن اختراق مثل هذه البيئات، التي من هذا النوع، إن أحسن مخاطبة مصالحها من قبل الدولة، وطمأنتها على تلك المصالح، بما في ذلك طمأنتها على عدم ملاحقة المسلحين من أبنائها إن هم سلموا السلاح للدولة، واختاروا أن يفيئوا إلى أمر الوطن، حصل مثل ذلك الاختراق في العراق، إبان الاحتلال، وكان من نتائجه تأسيس “صحوات العشائر” التي اصطدمت بمسلحي “تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين” وأضعفتهم، ويحصل اليوم ولو بشكل نسبي في سوريا، من خلال برنامج المصالحات الوطنية الناجح في غير منطقة من مناطق الاشتباك .
يصدق النمط الثالث “من العلاقة بين الجماعة المسلحة وبيئتها” على حالة العلاقة بين تنظيم “داعش” والبيئات الحاضنة في العراق وسوريا لا بد، في هذا المعرض، من بضع ملاحظات:-
أولها أن التنظيم تحفل صفوفه بآلاف المقاتلين الأجانب من جنسيات متباينة (أمريكية، أوروبية، آسيوية، عربية) وهؤلاء جيء بهم إلى القتال في سوريا والعراق، حيث لا يعرفون شيئاً عن ثقافة هذين البلدين، والأعراف والعادات ومنظومة القيم الاجتماعية فيهما .
وثانيها: أن الإسلام “الجهادي” التكفيري، الذي حمله معه التنظيم إلى البيئات الاجتماعية التي سيطر عليها، أو لاذ بها، اصطدم ب “إسلام سني” شعبي معتدل، وبدأ يفرض عليه أقنوميةً لا يتحملها، هو الذي لا يعرف التعصب والتكفير وظاهرة حَمْل الناس وإكراههم على نمطٍ قسري من الإيمان والسلوك .
وثالثها: أن انتعاش تنظيم “داعش” في العراق – بعد طول مكوثه في الفلوجة وانحسار نفوذه في مناطق قليلة من الأنبار – اقترن باستخدام دولي (أمريكي) له للضغط على نوري المالكي وإسقاطه، وهذا كيفما اعترف به باراك أوباما، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، في حوار صحفي أجراه معه فريدمان، حين أجاب سؤال الأخير عن أسباب عدم تدخل سلاح الطيران الأمريكي، في الوقت المناسب، لمنع التنظيم من السيطرة على الموصل، بالقول إن ذلك كان في غير مصلحة أمريكا لأنه سيشجع المالكي على المزيد من التعنت!
ورابعها: أن تحالف العشائر والنقشبندية وبعض الضباط السابقين وبعض “حزب البعث” في العراق، مع “داعش” هو من نوع تحالف الضرورة في مواجهة نظامٍ استثنى مناطقهم من السلطة والثروة، وقد يتغير المشهد سريعاً إن تغيرت معادلات النظام وتركيبته .
وخامسها: أن “داعش” ظل، حتى الآن، تنظيماً عراقياً ولم يستطع أن يصبح سورياً، على الرغم من سيطرته على مناطق شاسعة من شرق سوريا، ولعل المزاج العراقي فيه كان من بين أسباب أخرى (منها الخلاف بين الفرع العراقي ل “القاعدة” وقيادة التنظيم الدولي) قادته إلى الصدام مع “جبهة النصرة” التي وجدت نفسها -رغم مقاسمتها “داعش” الأفكار عينها- في حرج أمام بيئاتها السورية الحاضنة ومزاجها المختلف .
لكل هذه الأسباب، ولأسباب أخرى يطول المجال لعرضها، تنفتح إمكانات عدة، أمام سوريا والعراق، للتقدم المطّرد نحو النجاح في تحقيق فك الارتباط الضروري بين تنظيم “داعش” وبيئاته الحاضنة، بما هو جزء من الحرب على التنظيم، إن فك الارتباط هذا يعتمد على حسن إدارة الدولتين للتناقضات القائمة – والمحتملة – بين المسلحين وبيئاتهم، واستثمارها لمصلحة البلدين، ولكنه يعتمد، أيضاً، على الأخطاء التي يرتكبها هذا التنظيم . . وهي كثيرة .

Related Posts

LEAVE A COMMENT