في المزاد العلني

في المزاد العلني

رباح ال جعفر*

لم يَكن في يوم من الأيام، مناضلاً عظيماً، ولا بطلاً ثورياً، ولا رمزاً وطنياً، ولا حامي الحمى، ولم يلبس بدلة الخاكي في حياته، ولا يعرف ماذا تعني الفرضة والشعيرة في قواعد التسديد والتصويب، ولم يخدم الجندية الإلزامية كي يبقى الشرف الرفيع سالماً مسلحاً، ولم يخرج إلى ساحة العرضات للتدريب الصباحي، ولم يضع البيريّة فوق رأسه. برغم هذا فإنه مرشح لقيادة الأمن والدفاع.

بهذه الطريقة الساخرة من الكوميديا السوداء، يجري اختيار وزرائنا الفاشلين.. ولا أدري ما القانون الذي يجعل الفاسد وزيراً، ورئيس العصابة رئيس حزب، ومزوّر الشهادات حتى شهادة لا اله إلا الله نائباً في مجلس النواب، وقاتل الأطفال شهيدا في سبيل الله؟!
ونحن لا نعرف عن فلان الفلاني استناداً إلى سجلّه العدلي، إلا أنه تاجر بندقية من كتف إلى كتف، ولا نعرف عن هذا المسؤول وذاك، إلا أنه سارق لا يشبع، أو فاسق يغتصب حتى بيوت الله ليبني قصوره الشامخة، أو منافق يضع رجلاً في الجاهلية ورجلاً في الإسلام. في زمن كثر فيه الجناة والبغاة والظالمون، من الذين لا تدعوك هامتك أن تخفض رأسك فتراهم.
منطقياً يجب أن تكون هذه النماذج في السجن. جزاء عن كل عراقيّ شرّدوه، وكل شبر من التراب أضاعوه، وكل بيت فجّروه، وكل حلم داسوه بأقدامهم، وكل صدر ثقبوه بالرصاص، أو بالذبحة القلبية، لكن العراق أضاع منطقه.
لم أسمع عن بلد في الدنيا جعلوا مصيره ورقة يانصيب على مائدة قمار، إلا بلدنا. لم يحدث مثل هذا النهب في التاريخ، مثلما يحدث في عصرنا. شياطين يستعيرون لغة الأنبياء. يدافعون عن الطغيان، ويبرّرون الجرائم، ويخطبون على المنبر خطاب القديسين، فيقطعون القلوب بمواعظهم.
وانظروا كيف ينبشون أكفان الموتى، ويسلخون جلود الأحياء؟ انظروا كيف يتبادلون القبلات والشتيمة؟ يتقاتلون على القصاص، ويتنازعون على الغنيمة؟ انظروا كيف يتفاوضون على الأشلاء، ويبيعون جماجم الشهداء، ويتنافسون على فتح القبور، مقابل المال، والغرض، والرشوة، والجشع، والطمع الدنيوي، ومكافأة موعودة، ومنصب زائل، وكرسيّ صدئ لا تكاد قوائمه تتحمّل جالسيه، برغم أنهم أخف من قبضة ريح في الميزان!
وأنت لا تحتاج إلا الى مزيد من الصبر لترى المأساة. ستفور من الغيظ فور المرجل، حين تصدمك حقائق مرعبة، لا يوجد ما يشبهها في أيّ بلد من بلدان العالم الثالث، أو بلدان العالم الثالث عشر.
في هذه الأيام ليس أسهل من العثور على وزراء، وزعماء، ونواب، ومحللين، ومحتالين، ومهرجين، ومنافقين، ونصابين، ودكاترة، وعباقرة، وفلاسفة، وطفيليات من السقطات، وأبطال تاريخيين، وديناصورات ما قبل التاريخ.
بعد ألف سنة ستكتب كتب الآثار والحفريات عن بلد مجنون كان اسمه العراق. سيؤلف المؤلفون الملاحم والروايات عن شعب مزقوا نسيجه الوطني، وبلد قسّموه ألف ولاية. وستحكي الأساطير قصصاً مخجلة، مخزية، تفوق القدرة على التخيّل.. إننا ننقرض.

‎مقالات ذات صلة