نحن قوم اكسباير

كاظم فنجان الحمامي*

كل القصة وما فيها أننا مازلنا نعيش اللحظات المأساوية للمحنة، التي رسم ملامحها المكرود (عرب) عندما أطلق حسرته التاريخية الخالدة حين كان يندب حظه العاثر، الذي قاده للاقتران بامرأة صماء بكماء، اسمها (طنبورة)، فقال كلمته الشهيرة وهو ينظر إلى بقايا كوخه المحترق: (عرب وين طنبورة وين ؟؟).
ففي الوقت الذي تتعرض فيها مدننا الشمالية إلى موجة بربرية كاسحة تقودها عصابات غادرة، تنتهك حرمة المدن كما الوباء، وتزحف كما الطاعون في ضواحي الموصل، فيدوس أحفاد القرامطة على جثث الأطفال، بينما الفضائيات العراقية منشغلة هذه الأيام بالدق والرقص.
هناك بين كهوف الوديان المخيفة يتعالى صراخ النساء المسبيات ليقتحم السكون، فتسيل أنهار الدم بين أنياب الموت، وتندفع الضباع بمخالبها السود في طريقها نحو معانقة أشباح القرى المهجورة. بينما تتفجر الفوضى بين خنادق أبطال العملية السياسية في مسلسل معاركهم اليومية للعودة بنا إلى سقيفة المحاصصة الطائفية القديمة.
تحت قبة الشعب وقفت امرأة عراقية من فقراء المدن المنكوبة، وقفت هناك تتحدى شظايا الرعب، وتطلق صرختها المدوية بوجه كبار الأفندية، تطالبهم بمطاردة الضباع التي التهمت أشبالها في ثكنات معسكر (سبايكر)، فيأمرها صغار الأفندية بالسكوت، حتى لا تتسبب بتعكير مزاج الأفندية.
مهمشون دائماً، منسيون منذ زمن بعيد، ومازلنا نبحث عن رجل بمستوى الحدث. رجل يتحسس مشاكلنا ويتألم لآلامنا ويتأثر بانفعالاتنا، لكننا اكتشفنا أننا لا نختلف عن ذلك المواطن الأخرس الذي يريد أن يقول لمواطن أعمى أبوك مات. فما بالك بحوار بين أصم وأبكم يديره أعمى في مقبرة مهجورة يلفها الظلام الدامس وتحيط بها التماسيح الشرسة.
السياسيون مازالوا دون مستوى الحدث، وماانفكوا يتحاورون بالمفردات نفسها، ويتناقشون بالأدوات نفسها، ويتحركون بالإيقاعات نفسها، ويطبخون ولائمهم بالنكهات الطائفية نفسها، لكنهم يطبخونها هذه المرة في قدور ورقية سريعة الاشتعال، ويضعونها بين مواقد خشبية هشة، لن تصمد طويلا فوق نيران الأزمات الملتهبة بالحمم القاتلة.
كانوا يسألوننا في الابتدائية عن أسباب سقوط الدولة العثمانية، فنقول لهم أنها سقطت بسبب تفشي الفساد وضعف الجيش الانكشاري، فمتى يأتي اليوم الذي يدرك فيه المسؤولون أننا نقف على حافة الهاوية، وأننا في طريقنا نحو الانقراض بالطريقة نفسها التي انقرضت فيها الديناصورات، وبالطريقة نفسها التي اختفى فيه رجال الموهيكانز.
ليس في هذه النبوءة ما يدعو للدهشة فنحن ننتمي إلى أقدم السلالات البشرية التي عاشت فوق هذه الأرض أكثر مما ينبغي، ولابد أن تكون أعمارنا الافتراضية قد قاربت على الانتهاء، فنحن قوم أكسباير، أو ربما لأننا لم نجد الذي يقودنا نحو التجديد والتغيير ويرتقي بنا إلى مصاف الدول التي كانت تغفو معنا في فنادق الأقطار النفطية النائمة.

– See more at: http://www.almustakbalpaper.net/article.php?id=3341#sthash.e1GuyGMi.dpuf

Related Posts

LEAVE A COMMENT