«سبايكر» جريمة طبقة سياسية فاسدة

«سبايكر» جريمة طبقة سياسية فاسدة

شاكر الناصري*

لا جريمة أبشع من قتل الإنسان الأعزل، المذعور مما سيحدث له وسط حرب لا ترسم له سوى المصير المجهول أو التي سيتحول خلالها الى رفاة مجهولة ويتنازع هذا وذاك حقوق ملكية بيعها أو شرائها وسط موجة مساومات لا يمكن وصفها لشدة دنائتها ولا إنسانيتها.

سبايكر جريمة العصر العراقي وعنوانه الأشمل، الذي يختصر الكارثة التي تعصف بهذه البلاد، وترسم أفاقاً مظلمة لكرامة الإنسان وحرمة جسده ووجوده، التي تحولت الى شيء فاقد القيمة وسط دوامة عبثية من صراعات وحروب وتهجير وقتل متعمد وكراهية تخيّم على كل بقعة في أرض العراق، وتدفع ناسه للتناحر وإعلان كراهيتهم للآخر المختلف عنهم طائفيا أو قومياً.

ما حدث في معسكر سبايكر يصعب احتواؤه في عنوان موحد، هو اختصار لكل الجرائم التي حدثت وتم السكوت عنها ودفنها في غرف الساسة ودهاليز مساوماتهم.

سبايكر فضيحة سلطة تعيش أوج أزماتها وفشلها في حماية البلد الذي تحكمه وتوفير الأمن لأهله، وأصبح التنظيم الارهابي “الدولة الإسلامية- داعش” يسيطر على مساحات شاسعة من مدن العراق ولا يتوقف عن تهديد المدن الأخرى. ولم تتردد هذه السلطة عن التستر على هذه الجريمة وإنكارها مما حول هذه الجريمة الى قضية رأي عام، ولم يتردد أهل الضحايا الذين يطالبون بمعرفة مصير ابنائهم عن التوجه إلى مراكز السلطة وهيئاتها التنفيذية والتشريعية ودخولهم مجلس النواب. وتحولت كذلك إلى اداة للتصعيد والتوتر الطائفي الذي يكون سريع الاتقاد لمجرد وقوع جريمة أو انفجار سيارة مفخخة أو تصريح من سياسي لا يخفي توجهاته الطائفية.

لقد كشفت هذه الجريمة إنَّ العراق قد تحول ومنذ سنوات إلى “سبايكر” كبير ومخيف جدًا. يقاتل فيه الجميع ضد الجميع ويفعلون المستحيل ويستخدمون كل الوسائل التي تفضح توحشهم ودمويتهم التي تستمد شرعيتها من ضغائن وأحقاد طائفية وسلطوية وثأرية لا تتوقف عند حد أو تاريخ ولا يطفئها كل هذا الدم المراق، من اجل قتل اكبر عدد ممكن من العراقيين وإذلالهم ووضعهم في دوامة من الرعب وانتظار الموت، قتلهم أو اعدامهم وبالشكل الذي يرضي سادية وهمجية المجرم، إنّ كان من داعش وأخواتها أم من أبناء البعث أو من المليشيات الطائفية.

اعتقد ان ما حصل في قاعدة سبايكر والوقائع التي كشفت خلال الايام الماضية عن مشاهد صغيرة من الكارثة المخيفة، التي حدثت في الموصل وتكريت وديالى والرمادي، والأعداد الهائلة من الجنود المفقودين، لا بد وان ينبه أو يثير الاسئلة لدى من يعتقدون إنَّ ما حصل يستهدفهم وحدهم، وإنَّ عليهم التفكير في سبايكر الاكبر وفي ما سيحدث لاحقًا والى أي هاوية سحيقة يقودون العراق.

العراق في مواجهة كارثة حقيقية أو انها تحققت على أرض الواقع فالأرقام المخيفة لأعداد المفقودين التي أعلنها معاون رئيس اركان الجيش لشؤون الادارة والذي أعلن أن “11 ألف” جندي عراقي مفقود منذ أن سيطرت “داعش” على الموصل والمناطق الأخرى، تجعل من الحديث عن جريمة سبايكر وضحاياها مجرد عبث لا يضاهيه سوى عبث ما يسمى “العملية السياسية”، التي وضعت العراق وسط الكوارث الإنسانية والسياسية والاجتماعية المتلاحقة. الكارثة التي تحدث في العراق وبأفراد الجيش لا يمكن حصرها بجريمة واحدة، فنحن أمام سبايكر كبرى بكل المقاييس.

الاحداث التي وقعت قبل عدة أيام في مبنى مجلس النواب العراقي، حيث قام أهالي ضحايا مجزرة سبايكر بمهاجمة إحدى بوابات المنطقة الخضراء وتمكنوا من الدخول إلى مجلس النواب مما أدى الى هروب الموظفين وتدخل قوات الأمن للسيطرة على الوضع وتشكيل لجنة برئاسة رئيس مجلس النواب للتفاوض مع أهالي الضحايا، بعد تنصل هذا المجلس عن ادراج مناقشة قضية ضحايا سبايكر في جدول أعماله، تثبت وبما لا يقبل الشك إنَّ العراقيين الذين يطالبون بحقوقهم أو مواجهة التردي المتواصل لحياتهم وانعدام الامن وتحول الفساد الى غول لا يتوقف عن التهام ثروات ومقدرات الدولة والتصدي للإهمال والتجاهل المتواصل لأرواح الأبرياء وتركهم يواجهون حياتهم بكل ما فيها من فقر وحرمان ومصير مجهول، لا بد وأن يجدوا الأساليب التي تمكنهم من انتزاع حقوقهم من الساسة وقادة الطوائف والمليشيات وزعماء الحروب ومواجهتهم بشكل مباشر وصريح، فنحن امام ساسة تمرغت جباههم في وحل المساومات والفساد و الأزمات التي لا يتحمل وزرها الدامي إلا الأبرياء.