هل سيفكك أوباما “دواعش” إيران في العراق؟

داود البصري*

بإعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما ستراتيجية إدارته بتفكيك الإرهاب الدولي و”محو” دولة “الدواعش” من الوجود, وتركيز الضربات الجوية على معاقل تلك المنظمة الإرهابية في كل من العراق وسورية وصولا لتذويبها بالكامل وتدمير قواعدها وحصونها, ومناطقها الآمنة, وتدمير أسلحتها, إضافة الى التعهد الرئاسي الأميركي بدعم المعارضة السورية المعتدلة في صراعها لإسقاط النظام.

وهو الإعلان الذي حرص أوباما على إذاعته والتبشير به عشية الذكرى الثالثة عشر لأحداث 11 سبتمبر الشهيرة, تبرز من بين الفجوات الكلامية والتعهدات الرئاسية العديد من الأسئلة والتساؤلات حول آفاق إدارة المعركة الدولية بالقيادة الأميركية مع “داعش” واخواته, وهي معركة كونية فعلا لأن “داعش” ليس مجرد تنظيم هلامي يسيطر على مناطق واسعة من أراضي العراق والشام نشأ بعد الفراغ القيادي في البلدين وحالة الفوضى الشاملة التي يعيشها الشرق الأوسط? بل انه أكبر من ذلك بكثير لكون أفكار “داعش” منتشرة بشكل واسع وهي تشمل للأسف مختلف الملل والطوائف والنحل في الشرق القديم? أي أن الحرب ستكون أيضا حربا للأفكار, والمناهج, والمعتقدات! وستكون أسلحتها فكرية محضة وليست عسكرية.
بكل تأكيد فإن البنية العسكرية للتنظيم ستنهار تحت وقع الضربات الأميركية والغربية, ولكن الفكر الشاذ, والمنحرف, والمتعصب الذي أنتج هؤلاء القتلة لن ينهار, بل على العكس سيشهد نموا وتوسعا جديدا تحت شعار “المظلومية وحرب الاستكبار العالمي”, وسنشهد فصولاً جديدة وطرقاً مختلفة للتحرك, ولربما يظهر التنظيم بشكل مغاير في أماكن أخرى بعد نقل ميدان المعركة الرئيسة من الشرق لأماكن أخرى, فالأفكار تنتقل أسرع بكثير من الآليات ووسائل النقل المعهودة, ولكن مع إدارة المعركة ميدانيا ستظهر سلسلة من المتناقضات الفجة والثقوب السوداء الواسعة والتي قد تجعل من عملية مطاردة “داعش” والقضاء عليها مجرد حالة مرحلية لن تنهي الإرهاب أو تقتلعه من جذوره وتجفيف منابعه بالكامل.
ففي الحالتين العراقية والسورية ثمة تشابكات مثيرة للحيرة, ففي العراق يقف الأميركان والغرب بشكل واضح مع تنظيمات طائفية وتكفيرية وإرهابية أيضا لا تقل إجراما ولا بشاعة ولا تخلفا عن “داعش”! كما أن قيادات تلك الجماعات والتي يحركها ويمولها ويدربها ويطلقها على العالمين النظام الإيراني متمركزة ومتموقعة في عمق السلطة العراقية الحليفة والتابعة للولايات المتحدة.
كما أن هذه الجماعات أدت وما زالت تؤدي أدوارا إرهابية كبيرة جدا وخطيرة في دعم النظام السوري, والانخراط في آلة الحرب الإيرانية في الشرق وهي كما نعلم ووفقا للتصنيف الغربي آلة إرهابية محضة. كما أن أزلام وعيون وأتباع النظام الإيراني متغلغلون بقوة في السلطة العراقية.
صحيح أن زعيمهم لم يتسن له الحصول على منصب وزير الدفاع بسبب الفيتو الأميركي, لكن أتباعهم الآخرين يشرفون على كل المفاصل الدقيقة في التحركات السياسية والعسكرية, فالعراق الحالي ستراتيجيا ساقط عسكريا ومحتل فعلياً من نظام طهران, وأي حرب غربية وأميركية مضادة للإرهاب الدولي لن تنجح أبدا من خلال البوابة العراقية إلا بتطهير العراق من أزلام وجواسيس ورسل الولي الإيراني الفقيه, وماعدا ذلك فالعملية برمتها مجرد ضحك على الذقون ووسيلة لاستهلاك أموال وخيرات دول المنطقة.
ولا أدري كيف سيستطيع الأميركان الجمع بين رأسي السلطة العراقية, وهي طائفية محضة والمعارضة السورية المعتدلة “الجيش الحر والائتلاف الوطني السوري”, بينما الحكومة العراقية موالية بالكامل لنظام دمشق رغم هيمنة الفرع البريطاني لحزب “الدعوة” على إدارة السلطة في العراق إلا أن تلك الهيمنة ضعيفة بالكامل مقارنة بحجم أتباع إيران في العراق سواء بين صفوف “الدعوة تنظيم العراق” و”المجلس الأعلى” أو فيالق “بدر” و”العصائب” و”حزب الله” وبقية فرقة حسب الله الطائفية الرثة في العراق. ومن سيضمن آلية التنسيق بين ضرب “داعش” في العراق وملاحقتها في سورية وبأدوات الجيش السوري الحر التي يرفضها بالكامل النظام في العراق?
ثم بعد الإجهاز على “داعش” وستتم المهمة بكل تأكيد كما حصل مع “طالبان” في أفغانستان هل سيتم فعلا استئصالهم أم أنهم سيظلون خلايا نائمة تنشط في أعمال الإرهاب والتفجير السرية, وثمة نقطة جوهرية سكت عنها مولانا أوباما وهي الموقف الأميركي والغربي من “دواعش” العراق من الضفة الأخرى, أي الميليشيات الإرهابية الطائفية المسلحة والممولة إيرانياً, التي ترفع رايات نظام طهران علنا في العراق وتمارس اعمالاً إرهابية مجرمة مشابهة تماما لأفعال “داعش” فهل نسيتم تفجير المساجد وقتل المصلين وسحل المؤمنين وتهجير الآمنين? وما جريمة مسجد مصعب بن عمير في ديالى ببعيدة عن الأذهان.
هل سيترك الغرب و”الناتو” تلكم الجماعات بكامل أسلحتها القتالية وهي التي تدثرت حاليا بفتوى وغطاء “الحشد الشعبي والجهاد الكفائي”, وهل سيتمكن العبادي ومن خلفه الغرب بأسره من نزع السلاح في العراق? وهي عملية معقدة كما ونوعا نظرا الى طبيعة العشائرية للمجتمع العراقي, وأحوال الفوضى التي شهدها العراق طيلة العقدين المنصرمين ما جعل العراق غابة من السلاح, وبالتالي لا يمكن أبدا الاطمئنان لحالة السلم الأهلي في ظل ذلك الكم الهائل من السلاح المتوفر بكثافة في العراق بعد تدمير مؤسسات الدولة العراقية بالكامل العام ,2003 والفشل في إعادة الأمور لنصابها الصحيح, ومن ثم دخول الجيوش الإرهابية للساحة العراقية وتغلغل الحرس الثوري الإيراني في قلب العراق.
المعركة ضد الإرهاب في العراق ستكون صعبة ومكلفة للغاية في ظل تداخل الملفات وغموض الموقف الأميركي والغربي من بعض النقاط الجوهرية في ملف الصراع العراقي الداخلي… ستكون الحرب الجديدة مدفوعة الثمن من دماء وأموال العراقيين وعرب المنطقة, ولن تنهي الإرهاب أبداً, فهو سيتشكل بصورة جديدة.

Related Posts

LEAVE A COMMENT