ومن بعدي الطوفان

ومن بعدي الطوفان

رباح ال جعفر*

انتهتِ الزفة الشعبية والرسمية التي رافقت تكليف الدكتور حيدر العبادي تشكيل الحكومة الجديدة. اكتمل السناء والبهاء، بمبالغات خرجت عن النص، وبمغالاة جمحت عن حدودها المنطقية.

لم تكن هناك مفاجآت. كان الإعلان عن أسماء الوزراء، لا أقول كلهم، خيبة أمل كبيرة، ومقلباً لجميع الذين راهنوا على الثورة والتغيير. إنها نسخة طبق الأصل لأسماء فاشلة. استهلكت حياتنا أكثر من اللازم، وسرقت جيوبنا أكثر من اللازم. وجدنا فيها ذئاباً جائعة، ورأينا أشباحاً خرجت من المغارة، وعلي بابا والأربعين لصاً.
تغيير الحقائب الوزارية مع الإبقاء على الشخوص، لا يختلف في شيء عن تغيير الديكور وأزياء الممثلين في فصل جديد من فصول المسرحية. الواضح أننا لا زلنا نؤدي أدوار مسرح اللا معقول.
الشاعر أبو فراس الحمداني يقول: (إذا مت ظمآناً فلا نزل القطرُ)، ولويس الرابع عشر هو القائل: (أنا ومن بعدي الطوفان)، لكن المشكلة أننا نعيش عصر الطوفان من غير سفينة، ولا قارب، ولا نوح.
العراقيون أبطال مآس إغريقية لا يملكون شيئاً من أقدارهم، ولأنهم غارقون في بحار من المحن والآلام، فإنهم يتعلقون بأيّة خشبة تنفذهم من الهلاك. مثلما الغريق عندما يتعلق بعود من القشّ.
كل الدروب مقفرة ظلماء. كل الحظوظ عاثرة عمياء. تناهشتنا الأمراض السارية من نقص في المناعة الوطنية إلى نقص في الضمير. هائمون في دوار. دائرون في فراغ. سابحون في تيه، والمهوى سحيق. تذبحنا الأيام ذبح الأنعام، وتلغ في دمائنا ولوغ الوحوش.
على هذا النحو من التراجيديا. لن تجد مثل هذه الحقبة المظلمة في أكثر عصور التاريخ انحطاطاً. لن تقرأ مثلها حتى في كتب العصور السحيقة وأخبار الأولين والآخرين. إنها سوداء لم تخطر في كوابيسها حتى على بال الشياطين.
المتشائمون يقولون: إن التشكيلة الوزارية كانت كأساً من السمّ الزعاف، وكان علينا أن نشرب هذه الكأس الزعاف حتى آخر قطرة فيها. أما المتفائلون فإنهم قانعون: ليس بالإمكان أسوأ مما كان، في بلد تعطل جهازه العصبي، وأصيب بالغيبوبة والشلل.
لقد خطر لي في لحظة، وأنا أتابع هذا العدد الهائل من نواب الرئاسات، والوزراء، بيت من الشعر يقول: (خلت الرقاعُ من الرخاخ ففرزنت.. فيها البيادق واستطال الأعبدُ) القائل هو الشاعر الفلسطيني سعيد الكرمي.. إنه يريد أن يقول لنا: إن رقعة الشطرنج ليس فيها ملك سعيد، ولا وزير جديد، ولا حصان طروادة، ولا فيل، ولا جنود.
بكلمة واحدة: ثبت أن البيت الأبيض هو مصدر الوحي في المنطقة الخضراء، وأن الأكثرية من المشتغلين في السياسة العراقية ليسوا أكثر من دمى في مسرح العرائس، تحركهم يد المخرج الأميركي حيث تشاء.
هذه هي الحقيقة الواضحة، والمرّة أيضاً.. وبعدها أضع نقطة في نهاية السطر.