مأساة “سبايكر” ومحاكمة المالكي وقادته

مأساة “سبايكر” ومحاكمة المالكي وقادته

داود البصري*

بعد مرور ثلاثة أشهر على جريمة خطف وقتل آلاف الجنود العراقيين وهم عزل من السلاح على يد عصابات إرهابية مسلحة, واضطرار الحكومة العراقية للخضوع لإرادة الجماهير وإجراء تحقيق عاجل في ما تم من انكسار رهيب للجيش العراقي أمام جحافل إرهابية بسبب سوء التخطيط وفشل القيادة والخيانة والتواطؤ على اعلى المستويات, بات من الواجب والضروري تحديد المسؤولية ومحاسبة من تسبب في الوصول الى تلك الهزيمة المروعة والكارثة البشرية الرهيبة التي لم يكن لها أي سابقة في تاريخ الجيش العراقي الطويل والحافل بالعديد من الصفحات الرمادية.

ما حصل من انهيار تكلل بسقوط محافظة الموصل وهيمنة الإرهابيين على مقدراتها حتى اليوم, وكذلك سقوط صلاح الدين ( تكريت ) وتهديد تخوم أربيل التي كانت على وشك السقوط لولا تدخل الطيران الأميركي وما حصل من مجازر لليزيديين والمسيحيين ولعموم مكونات المنطقة هو من المحن الكبرى التي مر بها العراق ويمر بها حاليا بعد أن تسيدت الفوضى الموقف وبات العاجزون من المسؤولين العراقيين غير المؤهلين هم من يتحكم بسيناريوهات المشهد العراقي الدموية.
لقد عقد البرلمان العراقي جلسة استماع لبعض المسؤولين العسكريين وكان في طليعتهم وزير الدفاع بالوكالة سعدون الدليمي, وبعض الضباط, لكن القائد العام للقوات المسلحة وهو جنرال حزب “الدعوة” والقائد السابق لحسينية الحجيرة نوري المالكي لم يحضر تلك الجلسة وتغيب عنها عمدا ومع سبق الإصرار ولأسباب غير معروفة لا يمكن تفسيرها إلا باحتقار الجماهير والتعالي على البرلمان وبروحية الغطرسة والتكبر والصلف التي عرف بها المالكي وتميز من خلال سنوات قيادته الفاشلة العجفاء!
فالقائد العام هو وحده من يتحمل المسؤولية المباشرة في ما حصل, وهو وحده من ينبغي عليه توضيح ومناقشة ملابسات ما حدث, وهو وحده الذي تقع على عاتقه مسؤولية الهزيمة بشقيها السياسي والعسكري, فهو ومكتبه العسكري المسؤول الأول عن اختيار الضباط والقيادات العسكرية, وهو وحده من يقرر في ملفات الأمن, والعسكر, والمخابرات, والاقتصاد, وهو في طليعة من ينبغي أن يدفع ثمن الهزيمة المريرة التي لن تقتصر نتائجها على زمن وحدث معين, بل ستكون لها تداعياتها الحتمية على مستوى مستقبل حالة السلم الأهلي, والتعايش الطائفي في العراق, فالجريمة للأسف ذات أبعاد طائفية مريضة وخطيرة للغاية, وهي تيار صاعق ومدمر لولم تتم السيطرة عليه ففيه النهاية الحقيقية للعراق كبلد موحد وبما تمتد مؤثراته الى دول المنطقة وللجوار الإقليمي أيضا.
جريمة معسكر “سبايكر” النكراء يتحمل المالكي مسؤوليتها المباشرة أمام التاريخ, لقد حدثت هزائم عديدة ومريرة ونكراء في تاريخ العرب بقيت نتائج التحقيق فيها, للأسف, حبرا على ورق ولم يتم حتى اليوم تحديد المسؤولية المباشرة عنها, فهزيمة 5 يونيو 1967 على الجانب المصري وضياع سيناء وتدمير الطيران المصري ظلت حتى اليوم مجالا للتكهنات والتفسيرات المختلفة, وتمت محاكمة بعض القادة العسكريين دون التطرق أبدا الى مسؤولية القيادة السياسية العليا المسؤولة عن اندلاع الحرب ثم إدارة المعركة بعقلية معارك العشيرة وليس وفقا لأسلوب إدارة المعركة.
لن نذهب بعيدا في المقارنات مع الوضعية العراقية القيادية الرثة التي أوصلت البلد الى هذا الخراب العظيم والمقيم, فالقادة الفاشلين ومن أهل الشهادات العلمية المزورة لا يمكن لهم أن يقدموا أي عطاء سوى التزوير الذي هو مهنتهم الحقيقية وسر وجودهم, ولعل استمرار فشل الجهد العسكري الحكومي العراقي في تنظيف البلد من العصابات الإرهابية مرده الرئيس الى كون من يقود العمليات الميدانية هم أهل الميليشيات وليس قيادات عسكرية كفوءة فلا وجود لجيش عراقي محترف, بل أن ذلك الجيش وبقيادة المالكي وشركاه من “شلة الأنس” قد تحول ملحقاً وتابعاً للميليشيات الطائفية التي تسيرها خطط الحرس الثوري الإيراني وأساليبه القتالية, وبما انعكس على معنويات عناصر الجيش الحكومي المفتقد لعقيدة قتالية وللروح التي تدفع للعمل الجدي, لذلك نرى طوابير الهاربين من الجيش العراقي تسد الآفاق إلى الدرجة التي يعلن فيها وزير الدفاع بالوكالة أن عدد المفقودين من جيش بلغ تعداده 20 ألفا قد وصل إلى 11 ألفاً, وكلمة مفقود تعني مجهول المصير, بين القتل, والأسر, أو الهروب والتسرب! مثل هكذا إدارة لابد أن تحاسب وفورا ووفقا للقوانين العسكرية وإلا فاقرأوا على العراق السلام… فلاخير في وطن يكون السيف عند جبانه, والمال عند بخيله والرأي عند عديمه!! وتلك وأيم الله قاصمة الظهر.