حسابات العراق الملحة

حسابات العراق الملحة

 نشأت حلبي*

لربما من «المُلح» بمكان أن يطرح السؤال التالي: من هي «بطانة» رئيس الوزراء العراقي «المنتهية» ولايته، أو السابق، نوري المالكي، والتي– أي البطانة– كانت تدفعه الى مجازفة سياسية غير محسوبة عندما «استنطقته» بأن يعلن رفضه لتكليف رئيس الوزراء «الجديد» حيدر العبادي بتشكيل حكومة عراقية جديدة.

ألم يكن يقرأ المالكي حينها التغيرات والتطورات السياسية والامنية في العراق، والجوار، على وجه الدقة و«الذكاء» السياسي حتى يتأكد بأن وقت الرحيل قد أزف.

ألم يلتقط المالكي كل تلك الاشارات من عواصم غربية واقليمية مؤثرة بالشأن العراقي مفادها «ارحل»؟!

الواقع يقول ان ايران قد ارسلت رسائل واضحة وليست مشفرة عندما اكد ساستها بان بلادهم ترحب بقرار اصحاب القرار في العراق بتشكيل حكومة جديدة قادرة على تخليص البلاد من الوضع الامني الصعب الذي باتت تعيش فيه الى ان وصل الامر الى حد تدخل اميركا مجددا، وعسكريا، بالعراق بعد ان اصبح تنظيم داعش يخطط لدخول بغداد، وبعد ان دخل فعلا في معارك حامية الوطيس مع قوات البشمركة التركية وبات يهدد اربيل نفسها، وبعد ان ارتكب، فوق هذا وذاك، ما يقال عن مذابح بحق «الازيديين»!

والمهم ايضا ان طهران لم تعارض التدخل العسكري «الجوي» الاميركي ضد داعش بعد ان باتت عناصره على بعد ما يقارب 40 كيلومترا عن الحدود الايرانية، فمن الواضح أن الايرانيين قد قرروا رفع يدهم عن المالكي، ليس بسبب العلاقة المميزة التي يتم الحديث عنها بين العبادي وطهران فحسب، بل لان ايران باتت تريد حكومة عراقية قوية وقادرة على ضبط الامور قبل انفلات «عقالها» بشكل قد يصبح من الصعب جدا السيطرة عليها في قادم الايام مع تفجر الاوضاع بشكل غير مسبوق.

وغير هذا، فان العاصمة الاخرى الاهم بالنسبة للمالكي وهي واشنطن، لم «ترمِ» للمالكي ولو بإشارة صغيرة تنم عن احتمال عودتها لدعمه ولو بالايحاء!

وفوق هذا وذاك ايضا، فان كل دول الجوار لم «تومئ» ولا بإيماءة واحدة قد تفهم بان لديها بعضا من الامل في بقاء المالكي، او انها لا ترحب بالعبادي، والكل اجتمع على رأي واحد وهو الترحيب بقرار المكونات السياسية العراقية واتفاقها على شخص العبادي كرجل المرحلة «الحساسة» الحالية التي اصبح فيها العراق على مفترق «دماء» اخطر ما يكون.

بناء على كل هذا، فان احدا لم يكن قادرا على ان يفسر موقف المالكي وعلى ماذا ارتكز الرجل حين اصر على التمسك بمنصب رئيس الوزراء، او أنه فعلا لم يكن يقرأ بدقة كل تلك الاشارات في الوقت الذي كان يجب ان يكون فيه صاحب بصيرة سياسية ثاقبة بعد تجربة الحكم التي خاضها لسنوات عدة، ومع التأكيد ايضا بان مراهقا سياسيا قد يمر صدفة امام مبنى رئاسة الوزراء العراقية سيفهم ما يجري دون حاجته لمزيد من الشرح والتفسير!

الآن رحل المالكي، لكن الاجدى بالعراقيين الآن وليس غدا، ان يعيدوا حسابات الحكم في بلادهم بدقة والا يتم تهميش أي مكون سياسي او ديني كما جرى سابقا حتى يخلصوا بلادهم من وبال ما هي فيه الآن.