العراق ودلالات التنحي

رأي البيان*

لا شك أن تنازل نوري المالكي عن الترشّح لرئاسة الحكومة العراقية لولاية ثالثة، خطوة إيجابية للعملية السياسية الجارية ولكل ما هو قادم للعراق كشعب ودولة ومصير.

صحيح أن تنحي المالكي لم يأت بمبادرة ذاتية، بل بفعل ضغوط كبيرة وتخلٍّ عنه من جانب حلفائه في الداخل والخارج، لكن الأصح أن ابتعاده عن المسرح السياسي ينطوي على الكثير من الدلالات السياسية والمنهجية.

من أهم هذه الدلالات أن محاولة تجاوز الواقع لا تصمد طويلاً، وأن الوعود ونقيضها ليست سياسة بما تعنيه من فن إدارة الصراع، وإنما هي وصفة لمراكمة الأزمات وتسميم النسيج الاجتماعي.

ويمكن الجزم بأن الخلفية المذهبية لم تكن سبباً في جعل مكوّنات رئيسية في العراق تنفضّ عن المالكي أو تدخل معه في خصومة حادة، لو أنه تصرّف كرئيس حكومة لكل العراقيين.

ومن الدلالات المهمة أن يدرك الزعماء السياسيون أن أقرب الحلفاء لن يستمر في دعم مسؤول تحوّل إلى مشكلة لهم أيضاً، ففي هذه الحالة توضع مصالحهم في كفّة مقابل مصالح هذا الزعيم أو ذاك، لذلك بدا المالكي متخبّطاً، وربما متفاجئا، وهو يرى حلفاءه يطالبونه بالتنحي.

وهذا درس لكل من يريد أن ينخرط في العمل السياسي بأفق مصلحي أو أدواتي، درس يقول إن الربح في البداية يخبئ خسائر جمّة في النهاية.

لكن هل تنتهي الأزمة في العراق بمجرّد رحيل المالكي؟ سلسلة تجارب عربية وغير عربية تجيب بالسلب، فمثلما أن النجاحات الكبرى لا يصنعها شخص بمفرده، فإن الأزمات الكبرى لا يصنعها شخص واحد.

وهذا يرتّب على القوى السياسية العراقية أن تعيد ترتيب أولويات العلاقة الداخلية، بأن تقدّم المساحة المشتركة بينها وتقف عليها سويّة، ثم تبحث في كل نقطة خلاف لتذليلها وتحويلها إلى مساحة مشتركة، وهذا يتأتى فقط بالاستناد إلى المواطنة خياراً وحيداً، وبديلاً كاملاً لأية ولاءات أخرى.

Related Posts

LEAVE A COMMENT