الطريق إلى الهاوية!

د. طه جزاع*

لا جديد في الرأي الذي أعلنه نائب الرئيس الأميركي جو بايدن في مقاله الذي نَشرته صحيفة واشنطن بوست مؤخرا، فالرجل كان واضحا منذ البداية وحتى قبل احتلال العراق وتدمير الدولة وتفكيكها.

وكان ثابتا على رؤيته القائمة على تقسيم البلد إلى ثلاثة أقاليم على أسس عرقية وطائفية، فهو يعتقد إن في هذا التقسيم الفدرالي الذي يعطي الحكم الذاتي لكل إقليم يمكن تجاوز الانقسامات، ويجري التوزيع العادل للعائدات، كما تتاح لهذه الأقاليم إنشاء منظومات أمنية وقوات حرس وطني يمكنها تأمين الحماية لسكان المدن، فضلا عن إن هذه القوات ستضمن حماية وحدة وسلامة أرض العراق، ولم ينس السيد بايدن أن يؤكد دعم الولايات المتحدة وشركائها الدوليين للعراق في معركته ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وربما يعد ذلك تلويحا منه للسياسيين العراقيين وللشعب العراقي، إن خلاصكم من الإرهاب، لن يتم إلا بإقامة الأقاليم الفدرالية، والحق يقال فأن ذلك يعد عاملا جديدا يدخل في معادلة الفدرلة البايدنية، وهو العامل الذي يراهن عليه في إقناع العراقيين جميعا اختيار طريق الفدرالية، بدلا من البقاء في جحيم العذاب والتناحر والاقتتال، والتشرد والنزوح والخوف من الحاضر المفزع والغد المجهول. وهو يعني في نهاية الأمر أما الأقاليم الثلاثة أو الذهاب إلى جهنم وبئس المصير!

غير إن بايدن لم يقدم تصورا شاملا لما يمكن أن يكون عليه العراق بعد تقسيمه إلى ثلاثة أشطار، باستثناء الصورة الايجابية عن تجاوز الانقسامات والتوزيع العادل للعائدات، وهل إن هذه الأقاليم ستختار الأمن والسلام والجيرة الحسنة التي تفضي بالنتيجة إلى تقوية العراق الفدرالي وتنميته واستقراره، أم إنها – وهذا هو الاحتمال المرجح – ستختار العداوة والبغضاء، والتناحر وربما الحروب العرقية والدينية والطائفية والسياسية التي تستكمل صورة العراق الضعيف المجزأ المشطر الذي يتنازع فيه المتنازعون على السلطات والمكاسب والثروات والعائدات، وفرض النفوذ في المناطق المختلطة، والسير في النفق المظلم إلى نهايته الكارثية والسقوط في هاوية ليس لها قرار؟ كما انه لا يقدم ضمانة في البقاء على ثلاثة أقاليم فحسب، إذ أن واقع الحال الذي سينتج عنه التقسيم سيفرض واقعا جديدا تنتج عنه صراعات أخرى لمكونات عرقية ودينية وربما حتى سياسية ومناطقية وعشائرية لفرض النفوذ والسيطرة، مما يعني تفتيت العراق وتحويله إلى دويلات وأقاليم ومقاطعات متناحرة، وضياع العراق الذي نعرفه إلى الأبد، بحسب تعبير جي غارنر أول قائد لسلطة الاحتلال الأميركي الذي يرى إن العراق الآن مقسم بالفعل وان أفضل ما يمكن أن تطمح إليه واشنطن لإبقائه موحدا هو تأسيس دولة فدرالية من ثلاثة أقسام.
سيقول من يقول أن العراق الفدرالي هو حق دستوري لا ريب فيه، فقد جاء في المادة الأولى من الدستور إن جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، وان ما جاء في مقال جو بايدن، وما جاء في حديث جي غارنر هو من باب تأكيد المؤكد وتوضيح الواضح، لكن لم يقل لنا أحد إن طريق الفدرالية يستوجب كل هذه الدماء والتضحيات الجسام والجرائم البشعة التي لم تستثن أحدا من قوميات العراق وأديانه وطوائفه وأقلياته المسالمة. ولم يقل لنا بايدن ولا غارنر إن السير في هذا الطريق إلى نهايته يعني ضياع العراق دولة واستقلالا وسيادة إلى الأبد.

Related Posts

LEAVE A COMMENT