الحكومة المقبلة بين الإملاءات التعجيزية واشتراطات نجاحها وإنقاذ العراق

فخري كريم*

مع اقتراب الموعد الدستوري لتشكيل الحكومة الجديدة، تزداد الأصوات المتعالية التي تنطوي على التشكيك بموقف قادة الكتل والقوى ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية ووسائل الإعلام.

المطالبين بتضمين خطاب طلب التصويت البرلماني بالثقة، الشروط والتعهدات الكفيلة بإنجاح الحكومة وتجنب اجهاض المساعي الوطنية المخلصة لإنقاذ العراق مما وُضع فيه من مأزق متشابك، نتيجة السياسات المغامرة الفردية للسلف المهووس بذاته، دون كفاية في معايير الكفاءة والقدرة على الانجاز الوطني.

ونواجه من جديد، سياسة “البرهة” الفاشلة من قبل وزير الخارجية الأميركية الذي يرفض الاشتراط المسبق على تشكيل الحكومة ويعتبره عرقلة غير مبررة، والمهم من وجهة نظره “التعجيل بتشكيل الحكومة” تحت أي ظرفٍ كان، فالمهم ان تكون “عريضة” يشارك فيها الكردي والعربي السني والشيعي والتركماني والمسيحي. ويذكرني ذلك بإعلانٍ كان يكتب في المقدمة الداخلية لباصات نقل الركاب الحكومية ايام زمان، “ادفع أصغر نقد”، فكان الراكب عن سوء فهم، او للمشاكسة، يدفع فلساً واحداً بدل اربعة فلوس. حتى اضطرت ادارة المصلحة الى تغيير الإعلان ليصبح “ادفع أصغر نقدٍ كافٍ”، والغرض من الاعلان كان لتسهيل مهمة الجابي المسكين الذي يُحار بإيجاد “الخردة الكافية” للتعامل مع النقود الورقية والمعدنية الكبيرة.
من المهم، دون شك، أن على الجميع إبداء المرونة المطلوبة “موضوعياً” لتعجيل التشكيل الحكومي. ولكن هذا التشكيل يجب أن يراعي ويعالج الاسباب الرئيسية التي بات معروفا للقاصي والداني انها كانت في اساس التصدعات والازمات والتوترات والانقسامات ، وهو ما أدى في نهاية المطاف الى الهزيمة أمام عصابات داعش المنفلتة التكفيرية. ويُفترض بحسني النيّة من المنادين بالتعجيل، عراقيين كانوا ام اجانب، ان يتشددوا في ما يتعلق بالتمكين من نجاح الحكومة ، حتى قبل ان تتشكل، وليس المباركة المسبقة لولادتها، كما يُقال بـ”سلقها” دون ملح .
ورئيس الحكومة المكلف، قبل غيره، والتحالف الوطني قبل الآخرين، ينبغي أن يخشوا كل الخشية من عملية “السلق” المطلوبة، مهما قيل عن ضوابط واشتراطاتٍ وضعت لا تسمح لرئيس الوزراء الجديد بأن يعيد تصرفات سلفه، أو يتمرد على تلك الضوابط والاشتراطات، خاصة وهي حتى الان “طيّ الكتمان” لا يعرف عنها الاخرون شيئاً، ولم يتشاركوا في تحديدها، ومع ذلك فالامر في صلب الشأن العام المشترك.
ولنعرض عن مطالب الكتل، ونتلمس تحسسات المواطنين المكتوين بما هم فيه من تدهور امني، واحوال معاشية قاربت بسوئها اكثر البلدان فقراً وفشلاً، وتمييزاً في المعاملات، واعتداء على الحريات والكرامات، ما الذي سيعد به العبادي، لبث قدرٍ من الطمأنينة في نفوس الناس؟

وماذا بشأننا نحن، أصحاب الأصوات المبدّدة، المعبرين عن الارادة الوطنية، دون استثناء، سنة وشيعة، عرباً وكرداً، مسيحيين ومسلمين، صابئة وإيزيديين، وهي اصوات يتفاخر البعض بأنه حصد الكثير منها في الانتخابات ولو بالتزوير، أوليس ضرورياً ان نعرف او نشعر بضماناتٍ أولية، بان العراق سيتعافى، وان الارهاب سيُجتث، وان الكهرباء ستنير مدننا المتلفعة بالظلام والجريمة، وان الفساد وخفافيشه المختبئين بين مسؤولٍ وآخر، لا تفرق بينهم الهوية المذهبية والحزبية على سرقة ثرواتنا وتبديدها، سيلاحقون وستنتهي “ولايتهم” على الحكومة ومقدرات البلاد، وستتوقف عمليات تدمير البُنى المتصدعة لبقايا الدولة، وتمزيق ما لم يتمزق بعد من نسيجنا الاجتماعي؟
أو ليس من حق الذين شُردوا بسبب الهوية الفرعية من بيوتهم وديارهم، وهم من كل المكونات، أن يستعيدوا بعضاً من الثقة بانهم سيعودون الى البيوت والديار؟ وأن الذين طوردوا لخروجهم على شبه الطاغية، احتجاجاً على قمع الحريات ومطالبة بالإصلاح السياسي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتطبيق ما اكد عليه الدستور من حريات ومساواة وكرامة، سيحظون بأن يُقتَص لهم من الذين طاردوهم، واعتقلوهم وسجنوهم وزورا وثائقهم وشوّهوا سويتهم؟
أما المطالب التعجيزية للكتل والمكونات فهي مرفوضة من كل وطني، مع الإملاءات الفظة، ومنها إملاءات خطب الاربعاء المعزولة عن الواقع. ولكن هل ان المطالبة بإطلاق سراح السجينات والسجناء الابرياء املاءٌ وتعجيز؟ وهل أن الاستجابة لمطالب اهل السنة، المكبلين باصفاد داعش من جانب، واقصاء الحكومة البائدة املاءٌ وتعجيز؟ وهل المطالبة بايكال تطبيق “ارهاب ٤” لوطنيين منزهين عن الكراهية والاحقاد، بدل المتهمين “ببيع المعتقل والسجين” بدفاتر دولارات، تعجيز وإملاء..؟
ولنقرأ إملاءات كردية “تعجيزية” أيضاً من وجهة نظر المطالبين برفض الإملاءات، أيعتبر إملاءً مخلاً اطلاق الرواتب لموظفي كردستان، ومخصصات البيشمركة الذين يستشهدون ويصابون في الحرب الشرسة ضد داعش؟ وهل يرى هؤلاء ان المطالبة بإقرار الميزانية للعام الحالي، وفقاً للاستحقاقات بما تراكم من حقوق تعجيز واملاء؟ أيكون التأكيد على إقرار قانون النفط والغاز وتطبيق ما ورد في الدستور من حق التصرف في الآبار الجديدة، ووضع آلية لتصدير النفط مع الحفاظ على تحويل الواردات بعد المقاصة، تعجيزاً واملاءً؟ اين هي مطالب الكتل، لكي نقيم التعجيزي منها والعادل..؟
ثم لماذا لا يستبق التحالف الوطني الكتل الأخرى، فيُعِد خطاباً يتضمن برنامجاً حكومياً شاملاً لمعالجة مخلفات الماضي الكريه، ويستنهض القوى لإنقاذ البلاد وتنظيفها من داعش والفساد المتحالف معه، ويضع العملية السياسية في المسارات الوطنية المنشودة، فيقطع بذلك الطريق على الإملاءات التعجيزية والمتصيدين في الماء العكر، ويحقق بذلك مأثرة تضاف الى دخانه الأبيض الخاص باختيار المرشح لرئاسة الحكومة، وان تأخر اكثر من اللزوم..؟
ولمن يريد ان يفهم: الخطاب البرنامجي ليس، بأي حال من الأحوال، “بياناً حكومياً”..!

Related Posts

LEAVE A COMMENT