الحكومة العراقية الجديدة: كي لا تضيع الفرصة

غسان العطية*

فتحت التطورات التي شهدها العراق مؤخراً بتنحية رئيس الوزراء نوري المالكي عن رئاسة الحكومة وتكليف الدكتور حيدر العبادي بتشكيلها (١١ آب/أغسطس ٢٠١٤) صفحة جديدة، وبالتالي فرصة للخروج من المأزق العراقي. ان اضاعة هذه الفرصة قد تكون سبباً في نهاية العراق كدولة موحدة مستقلة.

وكي تستطيع حكومة العبادي تحقيق التوقعات والاماني المعلقة عليها لا بد من أخذ العوامل التالية بعين الاعتبار:
ان التفاهمات الاميركية الايرانية وموقف المرجعية الاسلامية الشيعية برفض المالكي كانت حاسمة في اختيار العبادي، وجاء التأييد الاوروبي والاقليمي وبخاصة الخليجي لهذا التكليف ليعطيه زخماً لم يحظ به اي رئيس وزراء عراقي مكلف منذ ٢٠٠٣، كما ان الترحيب الشعبي العراقي والاستجابة العربية (السنية) والكردية لهذا التعيين تعطية ثقلاً وقوة في تشكيل الحكومة. فهو ليس مديناً لحزب او طائفة بعينها، وهذا الزخم يجب ان يوظف لتشكيل حكومة تتجاوز اسلوب تشكيلها السابق القائم على المحاصصة والاعتبارات الحزبية والنفعية الضيقة.
فالمطلوب حكومة قوية ومنسجمة وليس تشكيل حكومة الاخوة الاعداء كما كانت الحكومات السابقة، حكومة متفقة على برنامج واولويات أمنية وسياسية واقتصادية.
ويبدو واضحاً ان الاولوية يجب ان تعطى لدحر التطرف الاسلامي المتمثل بتنظيم الدولة الاسلامية، واسترجاع الاراضي الخارجة عن سلطة الدولة، الامر الذي يتطلب مقاربة سياسية تكسب قلوب وعقول ابناء المحافظات المنتفضة بما يجفف المياه التي تعيش فيها «داعش»، ومقاربة اخرى عسكرية تعالج اسباب هزيمة القوات المسلحة العراقية (اربع فرق عسكرية يزيد تعدادها على ٦٠ الف جندي وضابط مع اسلحتهم) امام بضعة آلاف من المسلحين.
ان الاسراع بتشكيل الحكومة بات في غاية الضرورة. فالدعم العسكري الذي يحتاجه العراق من الغرب وبالذات اميركا مرهون بتشكيل حكومة جامعة تكسب ثقة ابناء المحافظات المنتفضة والاكراد. والدعم الذي ينهال اليوم على اقليم كردستان كان بالامكان ان يمر عبر بغداد لو استطاعت الاخيرة تشكيل حكومة بديلة لحكومة المالكي التي كرست الانقسام وساعدت سياساتها في خلق البيئة المساعدة لنشاط التطرف الاسلامي.
ولا بد من اطلاق يد العبادي في تشكيل حكومة انتقالية ذات مهمات محددة، لا بصفته ممثلاً لحزب او ائتلاف معين، بل بوصفه رئيساً توافقياً للجميع، وذلك بعد مشاورات يستمع فيها الى آراء، وحتى اشتراطات، الآخرين، ليقوم من ثم باختيار الوزراء حسب قناعته بما يحمّله هو المسؤولية كاملة، بحيث لا يأتي في ما بعد ويقول: فُرض على الوزراء، وبالتالي لست انا المسؤول عن الفشل. وهو ما حصل في الحكومات السابقة.
امام العبادي فرصة تاريخية كي يتقدم بتشكيلة حكومية في أسرع وقت للبرلمان، ويترك للأخير حرية الموافقة او الرفض، لا ان تفرض عليه تسويات لمراضاة طرف او آخر على حساب قناعته بالحاجة الى حكومة منسجمة وقوية. وقد يكون من المفيد في هذا الصدد ان لا تتكرر الوجوه التي كانت مشاركة في فشل الحكومات السابقة. فاختيار شخصيات ذات ثقل واحترام في محافظاتها اهم من تزكية كتلة ما لشخصيات حزبية لا تأثير لها في محافظاتها.
واذا كانت الوزارات السيادية تعطى لعناصر ممثلة لكتل برلمانية تأخد في الاعتبار التمثيل الجهوي وغيره من عوامل، فإن الوزارات الخدمية يفضل ان تتولاها عناصر تكنوقراطية غير مرتبطة حزبياً، مما يمكّن رئيس الوزراء والبرلمان من محاسبتهم من دون الوقوع في اشكالية التحصن الحزبي.
وعلى رغم ان العبادي ينتمي الى حزب الدعوة فإن الظروف التي جاءت به الى الحكم تعطيه الحرية كي يمثل قوى الاعتدال العراقية برمتها في مواجهة التطرف بأشكاله وطوائفه المختلفة.
وسيحاول البعض في حزب الدعوة او ائتلاف دولة القانون ان يقود العملية السياسية من المقاعد الخلفية، او يسعى البعض من الطامعين في منصب رئاسة الحكومة الى وضع العصي في دولاب الحكومة الجديدة. لكن التحدي امام العبادي هو ان يقود بفريق عمل فاعل، لا ان يقاد بمنافع خاصة طائفية كانت او شخصية.
ان الصفة الانتقالية للحكومة تفرضها متطلبات المرحلة، حيث سيكون من اولى خطوات الحكومة الجديدة تشكيل فريق مفاوض مع الاطراف العراقية العربية (السنية) المنتفضة بما فيها من يحمل السلاح، باستثناء تنظيم القاعدة او الدولة الاسلامية، وكذلك التفاوض مع القوى الكردية والمكونات الاثنية الصغرى وغيرهم من قوى سياسية غير ممثلة في البرلمان.
وما يتمخض عن تلك المفاوضات والحوارات مع تلك الاطياف الدينية والاثنية والسياسية المختلفة (مما قد تستغرق سنة او اكثر)، من قناعات مشتركة في خصوص القضايا المختلف عليها من الدستور الى صلاحيات المحافظات وغيرها من امور، هو ما يشكل اساساً لميثاق وطني جديد يطرح للاستفتاء الشعبي بما يؤسس لعهد جديد يتجاوز اخطاء وخطايا العقد الماضي.
ومن باب تعزيز الثقة تقوم الحكومة الجديدة، اضافة الى تشكيل لجان التفاوض والحوار الوطني، بالاعلان عن وقف القتال (الا مع داعش) والعمل على التهدئة الاعلامية ووقف الملاحقات السياسية والافراج عن المعتقلين غير المدانين قضائياً.
وعلى الحكومة الجديدة ان تستثمر الاجواء الاقليمية الايجابية لفتح صفحة جديدة مع كافة دول الجوار بما يحول العراق من ملعب لصراعاتهم الى لاعب لمصلحة استقرار المنطقة.
لقد أثبتت التجربة الماضية ان العراق الجريح في حاجة الى الدعم الدولي وبخاصة الاميركي، وان المطلوب خطاب عقلاني بعيداً من التنشج والشعارات الجوفاء. فتشكيل حكومة قوية ومنسجمة ببرنامج عمل مشترك هو الاقدر على وقف التصدع الوطني ونزيف الفساد. وفي المقابل فإن على القوى السياسية الاخرى ان لا تصعّد مطالبها وان تجعل من اتفاقها على خطوات العمل اساساً للتعاون، وصولاً الى حالة سياسية تصحح الاخطاء السابقة.
في هذا المعنى تصبح حكومة العبادي انتقالية بامتياز، تفتح الباب للجميع للمشاركة في صناعة مستقبل أفضل للعراقيين متجاوزين اخطاء العملية السياسية الحالية.

Related Posts

LEAVE A COMMENT