العبادي أيضاً من حزب «الدعوة»

حسان حيدر*

قد يعتقد البعض أن شهر العسل الأميركي– الإيراني انتهى لمجرد أن طهران تخلت عن نوري المالكي، أو وافقت قبل ذلك على تشكيل حكومة في لبنان لا تمون عليها كثيراً، أو وجهت انتقادات خجولة لطريقة إدارة بشار الأسد الحرب.

لكن من المبكر بالتأكيد التوصل إلى هذا الاستنتاج، لأن العلاقة بين الدولتين أعقد بكثير ومصالحهما تتلاقى أكثر مما تتباعد، حتى لو اضطر الإيرانيون إلى بعض التراجع هنا وهناك خدمة لهدف أبعد مدى.
ولنأخذ العراق مثالاً: نجح الأميركيون والإيرانيون في تصوير أن المشكلة كلها تكمن في شخص المالكي. كان لهذا الطائفي المتعصب تأثير كبير بالفعل على طريقة إدارة الدولة وتوجيه أجهزتها للتنكيل بالطوائف الأخرى، وخصوصاً السنّة، وتثبيت الهيمنة الشيعية، لكنه في النهاية كان يطبق سياسة تستند إلى فكر «حزب الدعوة» الذي طوعته إيران الخمينية وأدخلته في عداد التابعين لـ «ولاية الفقيه» ثم أوصلته إلى الحكم ليلتزم برنامجها العراقي والإقليمي.
وهكذا، عندما تم استبداله بقيادي آخر من الحزب نفسه، رغم ما يقال عن اعتداله، بدا الأمر وكأن إيران قدمت تنازلاً كبيراً بضغط أميركي، وتراجعت عن نفوذها في العراق وعن إدارة سياساته. لكن الحقيقة هي على الأرجح غير ذلك تماماً، والعبرة في ما سيقدم عليه العبادي لاحقاً، وما إذا كان سينجح في تشكيل حكومة وحدة وطنية فعلية تشرك سائر المكونات العراقية في القرار، وتباشر تغيير السياسات التي طبقها سلفه على مدى ثماني سنوات، ولكي لا يكون التغيير مجرد تبديل في الوجوه.
فهل هذا ممكن؟ ثمة شكوك كبيرة، فالإيراني يعتمد في العراق الأسلوب نفسه الذي اعتمده السوري في لبنان عندما قرر نظام حافظ الأسد وضع اليد عليه في منتصف سبعينات القرن الماضي. تعميم فوضى الحرب الأهلية ليفرض نفسه «منقذاً». وعندما خرج الجيش السوري من بيروت مرة أولى بعد الغزو الإسرائيلي في 1982 أعاد الكرة بإطلاق العنان لحلفائه من الميليشيات المحلية لزرع الفوضى في العاصمة اللبنانية حتى صارت عودته إليها «مطلباً شعبياً».
وهذا ما فعلته وتفعله طهران في العراق بتواطؤ أميركي، فالفوضى الطائفية التي عصفت ببلاد ما بين النهرين وغذتها طهران أفضت إلى اتفاق أميركي – إيراني على تسليم الحكم إلى حلفاء إيران المقربين كشرط مسبق لوقف العنف. ثم لم يلبث أن تكشف وجه المالكي الحقيقي وبرنامجه الإقصائي، ورويداً رويداً انتقل الحكم المشترك إلى حكم شيعي صرف يلتزم التوجيهات الإيرانية محلياً وفي الإقليم.
وعندما اصطدم المالكي برفض داخلي تحول نقمة شعبية سادت المناطق السنّية واجتذبت قسماً من الشيعة، وواجه صداً إقليمياً قارب العزلة، عاود الإيرانيون تعميم الفوضى كي لا يضطروا إلى تقديم تنازل كبير، فدخل «داعش» الأراضي العراقية بعدما «تبخر» الجيش النظامي فجأة، لكن التنظيم المشبوه توقف بعيداً من بغداد، واستدار لحصار الأكراد، أعداء المالكي، بعد اجتياح الإقليم السني، وصار خطر المتطرفين المستجد أكبر من خطر المالكي الذي كان لا بد من استبداله لإثبات «المرونة» الإيرانية، لكن مع إبقاء حزبه على رأس السلطة، ودوماً بمباركة أميركية.
وبدلاً من أن يكون تعديل النظام المهمة المقبلة في العراق، صار تكليف السنّة طرد «داعش» من مناطقهم هو المهمة التي قد تنتهي بإنهاكهما معاً. أما إشراكهم في توليفة جديدة بقيادة «حزب الدعوة» إياه، فقد يكون مجرد ترتيب موقت.

Related Posts

LEAVE A COMMENT