عراق الألف عطلة وعطلة..!

د. هاشم حسن*

تشيرُ الدراسات الالمانية واليابانية والاوربية بان النهضة التي شهدتها هذه البلدان التي خرجت بدمار رهيب في الحرب العالمية الثانية حولتها لخراب شامل وانهيار تام في نفسية الشعب لا مثيل له في هزائم التاريخ، لكن الاعظم من هذا الصحوة المبكرة لهذه الشعوب ونهضتها مثل العنقاء من تحت رماد الحرب الكونية التي ارادت ان تمحوها من خارطة البشرية..!

لقد نهضت هذه الدول ووضعت لها اجندة للاعمار والتطوير استنادا لخطط مدروسة تتسابق مع الزمن واوكلت تنفيذها لقيادات تم اختيارها على اساس الخبرة والكفاءة وليس المحاصصة وكان الصراع يحتدم حول اختيار افضل السبل للاسراع بنمو الاقتصاد واعادة البنية التحتية واهمها روحية الانسان وهويته الوطنية وليس على المناصب لتكون هذه رسالة للعالم كله بان الانسان الياباني والالماني لم ينهزم في الحرب وان ارادته وادارته للاعمار خير دليل على نهضة امة وصحوة شعب ومسؤولية مواطن ازاء بلده.
ومما اثار انتباهنا في هذه التجربة وتجارب اخرى في الهند وماليزيا كيف ان الانسان امسك بالزمن ولم يفرط بثانية واحدة مرصودة لاعمار البلاد او لخدمة المواطنين ولذا فقد تم تقليص العطل لاقصى الحدود ووضعت اجندات لتنفيذ المشاريع بتوقيتات قاسية تتطلب تواصل العمل ليلا ونهارا وفي ظل الظروف كافة ونجحت وسائل التوعية ان تزرع تقديس اليات العمل وجودته في عقل المواطن وضميره ليعمل بدون رقابة وباعلى المواصفات والغريب ان الالاف من الموظفين العراقيين بمختلف المستويات زاروا هذه البلدان واطلعوا على تفاصيل هذه التجارب وعند انتهاء مدة الايفاد عادوا بالهدايا وبحكايات الاستغراب والدهشة ولم يطبقوا شيئا من الذي شاهدوه بل العكس هو الصحيح ولم تبالغ المنظمات الدولية حين اشارت الى ان مايقدمه الموظف العراقي من العمل يوميا لا يزيد على السبعة عشرة دقيقة فقط في احسن الدوائر والبقية لعب على الانترنت ومشاكسات واجازات مرضية وفتن وظيفية وقشب ونفاق وتملق للمرؤسيين والاستثناءات قليلة جدا ومستهجنة من الاغلبية وصار العام يتبخر بلمح البصر فشهور بكاملها نضيعها بحجة الطقوس والمراسيم وشهور للاعياد والازمات وشهر للانتخابات واخر لرمضان ومابين عطلة واخرى عطل هي هبات ومكرمات من الحكومة فلا معامل نسمع هدير مكائنها ولا فلاح يحرث حقله او يحصد زرعه ومازرعناه في الحدائق العامة يذبل ويموت في العطل والحفرة التي تحتاج لردمها خمس دقائق تبقى خمس سنوات ولا احد يعمل بذاته بدون رقيب، والكل عاطل عن العمل ينتظر معجزة الراتب والاستحواذ على الامتيازات بكل طرق (الحوسمة) المشهورة التي تحولت لاستحقاقات قانونية لشطارة صاحبها وجبن من تمسك بالقانون واحترم حدوده، واصبحت هذه العجائب سمة عراقية تصلح لان تدخل موسوعة غينس للارقام القياسية في صفحات الشعوب المغيبة التي تضحك على نفسها وتفشل في تحقيق انجازات وكانت تحكي وتعتاش على كنوز الماضي التليد وتراثه حتى نهبت داعش والمغامرون من افراد المافيات الدولية هذا التراث وسرقت وطنا بكامله وما تبقى ضيعه شعبنا العظيم بعطله المتراكمة فاصبح بحق وطن الف عطلة وعطلة…!

Related Posts

LEAVE A COMMENT