العراق بين انتخابين: من الأمل إلى الحرب الأهلية (4)

احمد المهنا*

الدين والحكومة

الدين بهذا الجوهر لا يمكنه أن يكون نظام حكم من دون أن يخسر جوهره، ويتحول الى سلطة استبداد شامل. شأنه في ذلك شأن حكومات العقائد عامة، أي حكومات التدخل أو الاشتغال في “عمليات العقل”. ولربما حدث في بعض الظروف النادرة نوع من التلاؤم الاستثنائي بين الدين والسلطة، ولكنه دائما ما كان مؤقتا سرعان ما يزول.

إن جمع الدين والحكومة في جهاز واحد شبيه بجمع الخير والشر، أو الفضيلة والرذيلة معا. فالحكومة في أفضل وجوهها شر لابد منه. في حين أن جوهر الدين هو عمل الخير أو التطلع الى عمل الخير. وقد لا يوجد على ظهر البسيطة انسان يتمتع بسلامة الاحساس دون أن يكون مسكونا بهذا التطلع الذي يجسد”الروح الدينية”، وهي بتعريف أحد المفكرين” النداء الملح لأن يكرس المرء نفسه لهدف أبعد من مجرد إرضاء شخصه”.

ولكن لا الدين ولا الثقافة بامكانهما وحدهما زراعة هذه الروح في الانسان. إن تقدم المستوى التعليمي والمعيشي والأمني للفرد كفيل بتهيئة تربة الفرد لزراعة وتنمية الروح. فالجهل والفقر والخوف وكل أشكال التطرف في المعاناة عوامل طاردة وساحقة للأخلاق. ليس لدى الانسان ما يفعله مع التنمية الروحية أو الأخلاقية اذا كان جاهلا أو جائعا. وكما يقول برتولت بريخت فإن “الأكل أولا، ثم بعد الأكل تأتي الأخلاق”. وبعبارة أخرى فإنه “ينبغي أن يبدأ الانسان حركة تنوير أمة بتحسين أحوالها الحيوية، ولابد أن يتحرر العقل من نير الحاجة قبل أن يؤخذ الى حرية العقل”.

إن الدين”مؤسسة إقناع” هدفها العناية بالنفوس، بينما الحكومة قوة ردع وعنف هدفها تحقيق الأمن، والحفاظ على المصالح أو الحقوق المدنية التي هي بصفة خاصة حقوق الحياة والحرية والصحة وامتلاك الأشياء الخارجة عن الذات مثل المال والأراضي والبيوت. وهذه مصالح دنيوية خالصة لا علاقة لها بالدين ولا بالأفكار أو المعتقدات من أي نوع كانت.

إن العناية بالنفوس، وهي وظيفة الدين كما هي من وظائف الفكر والأدب والفن، لا يمكن أن تكون من مهام الحكومة أو الدولة، لأن سلطتها تتكون من وسائل القوة والعنف: جيش، شرطة، مخابرات، قضاء. وفرض أي معتقدات أو شكل من أشكال العبادة باستخدام سلطة القوانين يعني الاستبداد، لأن القوانين لا قيمة لها من دون عقوبات، والعقوبات في حالة “العناية بالنفوس” مرفوضة، لأنها ليست من وسائل إقناع العقل. فالقانون لا علاقة له بصحة الأفكار بل بسلامة الكيان الاجتماعي وأمنه وحياة كل انسان وممتلكاته.

الإقناع شيء وفرض العقوبات شيء آخر. العقوبات حق احتكاري للسلطة. والاقناع حق عام للمجتمع، للدين ولكل انسان، بهدف توجيه الآخرين، وتحذيرهم ودفعهم الى تجنب الخطأ واستخدام المنطق لبيان الحقيقة لهم. إن العناية بالنفوس، كشأن خيري يتضمن التعليم والإرشاد والإقناع، أمر لا يمكن انكاره على أي انسان.

إن المجتمع، الذي يعد الدين احدى مؤسساته، هو ميدان العمل الفذ من أجل التنمية الروحية، وهو، حسب توماس باين، “نتاج لاحتياجاتنا، بينما الحكومة نتاج لشرورنا، الأول يزيد من سعادتنا بصورة إيجابية من خلال توحيده لعواطفنا، والثانية بصورة سلبية من خلال تقييدها لشرورنا. الأول يقوم بدور الراعي، والثانية بدور الجلاد. المجتمع بَرَكةٌ في عموم الأحوال، لكن الحكومة شر ضروري حتى في أحسن الأحوال، وفي أسوأ الأحوال شر لا يحتمل”.

ولو كانت الفضيلة هي الحاكم المهيمن على سلوك الناس لما احتاج البشر لمن يضع لهم القوانين ويفعِّل عليهم سلطة هذه القوانين بوسائل القوة والقهر. لكن حيث ان هذا ليس هو واقع الحال، فما من بديل عن الحكومة التي هي التعبير الأكبر عن الحجم الهائل لتغلغل قوة الشر في عالم الانسان. الحكومة، بتعبير آخر، هي تعبير عن النقص في فضيلة بني البشر. بينما المجتمع المدني، بمؤسساته وضمنها الدين، وأفراده كافة، هو المحاولة الأبدية لتلافي نقص الفضيلة. وهي محاولة أبدية لأنها قد لا تنجح في كبح ارتكاب الانسان للجريمة بسب أوامر الرب، أو تعاليم الأخلاق، كما تنجح الحكومة في التخويف من ارتكاب الجريمة تحت قوة ردع العقوبات.

والحقيقة المعروفة هي ان الناس تخاف من الشرطة أكثر مما تخاف من الله. صحيح أن البشر يقولون أن رأس الحكمة مخافة الله. ولكنهم لو أردفوا الفعل بالقول وتجسدت هذه المقولة في سلوكنا، وبلغت بنا الحكمة هذه الدرجة من الكمال، لتبددت الحاجة الى سلطات الإكراه، ولغدت الحكومات أشياء من التاريخ “وسكن الذئب مع الخروف، وربض النمر مع الجدي”.

الدين في التاريخ

ينبع الدين من نفس الحاجة التي تنبع منها سائر فتوحات الحضارة ومنجزاتها: حماية النفس من أخطار الطبيعة، وتحقيق أنظمة اجتماعية تمنع التطرف في المعاناة وتسهم في تلطيف الحياة الانسانية.

أما أخطار الطبيعة المدمرة فهي أوضح من ان تخفى على بشر. وبيت الانسان قد يكون المثل المعبر عنها بأجلى صورة. ذلك ان اي بيت هو عبارة عن وحدات قتالية مختلفة كل واحدة منها متخصصة بمواجهة صنف من أصناف قسوة الطبيعة من برد وحر ومطر ورياح وظلام ورطوبة وحشرات، صعودا الى الزلازل والصواعق والبراكين والأعاصير.

وأما خطر الانسان على الإنسان فهو التالي بعد خطر الطبيعة على الانسان. وكل التطورات التي حققتها البشرية ترتبط من ناحية بمحاولات السيطرة على الطبيعة وتسخيرها لخدمتها، كما تتعلق من الناحية الأخرى بتحقيق أنظمة اجتماعية تضمن شروط حياة إنسانية أفضل.

ومما لاشك فيه ان الدين أدى خدمات جلى للحضارة، وبطرق مختلفة تجاه الخطرين، وعلى نحو خاص تجاه خطر الانسان على الانسان، وأسهم اسهاما واسعا في ترويض الغرائز اللااجتماعية، وبالخصوص منها تلك التي تحكمت بالبشر في طورهم البهيمي، شأن القتل وأكل لحوم البشر، وهي الغرائز التي شكل نبذها، أو على الأقل الحد منها، مقياسا للتحول عند بني آدم من حياة البهائم الى حياة البشر.

ولكن الدين لم يستطع المضي بعيدا في تحقيق شروط السعادة أو الترقي الأخلاقي طوال ألوف السنين. فمن المؤكد ان انسان اليوم، على الأقل في الأجزاء الأكثر تقدما من المعمورة، أكثر سعادة مما كانت عليه حال الانسان طوال قرون السيادة الشاملة للدين.

ونفس الشيء يمكن قوله عن الناحية الاخلاقية. فمن المشكوك فيه أن البشر كانوا أكثر أخلاقية في العهود التي كان الدين يسود فيها بلا منازع. ففي مثل تلك الأزمان، التي تحول فيها الدين الى سلطة حاكمة، برع الكهنة أو رجال الدين، في تحويل التعاليم الدينية العظيمة الى ممارسات وشعائر بعيدة عن مقاصد تلك التعاليم. وأكثر من ذلك فإنهم شرعوا المعاصي رضوخا لغرائز الآدميين لإبقاء الجموع منصاعين للدين. وقد بلغ الأمر بالتصوف الروسي يوما ما، كما لاحظ فرويد، حد اعتبار الخطيئة ضرورة لا غنى عنها اذا أراد المرء الاستمتاع بكل بركات النعمة الالهية. وفي الاسلام حدث أن نادت بعض الفرق المتطرفة وعملت لاشاعة الرذيلة من أجل التعجيل بظهور “المهدي المنتظر”. وعلى مدى تاريخ الخلافة الاسلامية برع الفقهاء في ما يسمونه “الحيل الشرعية”. فهم، على حد تعبير علي الوردي، “يستطيعون أن يجدوا مسوغا شرعيا لكل عمل مهما كان دنيئا. والسلطان الظالم لا يقوم بعمل، خاصة منذ الخليفة الرهيب المتوكل، إلا بعد أن يجمع الفقهاء ويعرض عليهم الأمر”. وهم عندذاك ينبشون الآيات والأحاديث المتناقضة ليختاروا ويفصلوا منها فتوى ملائمة لعمل الخليفة، ولو كان هذا العمل شرا محضا لا يركب عليه ستر.

وهكذا ففي كل زمن وعصر لاقت اللاأخلاقية في الدين من الدعم قدرا لا يوازي ما لاقت الأخلاقية. فكل الأديان مسخ جوهرها ما أن تحولت الى حكومة أو سلطة. المسيحية التي كانت ثورة على طغيان القياصرة انقلبت الى نظام طغيان عندما صارت امبراطورية. والانقلاب نفسه حدث مع الاسلام، فقد كان هو الآخر ثورة على طغيان قريش، لكنه تحول الى نظام طغيان ما أن صار دولة الخلافة.

حكم البلاهة

في القرن السادس عشر أدخلت محاكم التفتيش المسيحية أوروبا، كما هو معروف، عصر ارهاب ملأ القارة بالخوف، احرقت خلاله آلاف الكتب، وفرضت البلاهة على الناس.

ومنذ القرن الخامس الهجري عم ظلام مماثل العالم الاسلامي، قُصر بعده حق التفكير على الأموات. فكل شيء، من العلوم الى الأحكام قد تقرر على يد كبار الفقهاء، وليس لدى الناس من بعدهم ما يفعلونه أو يرونه بعقولهم. وصار العقل شبهة والدين هو الخلاص الذي لا حاجة معه الى غير الامتثال له.

ولكن حتى مع أزهى مراحل الحضارة العربية الاسلامية، بقي “الظلام” مهيمنا على جانب رئيسي في الفكر الاسلامي. وذلك هو المتعلق بالعلوم السياسية، المعنية ببحث “خطر الانسان على الانسان”، أو تحقيق أنظمة اجتماعية أكثر عدالة وأوفر انسانية.

هذا ما لاحظه علي عبد الرازق في كتابه الرفيع (الإسلام وأصول الحكم) اذ يقول: “إن حظ العلوم السياسية في تاريخ الحركة العلمية عند المسلمين، كان بالنسبة لغيرها من العلوم أسوأ حظ، وإن وجودها بينهم كان أضعف وجود. فلسنا نعرف لهم مؤلفا ولا مترجما في السياسة، ولا نعرف لهم بحثا في شيء من أنظمة الحكم ولا أصول السياسة. اللهم إلا قليلا لا يقام له وزن ازاء حركتهم العلمية في غير السياسة من الفنون”.

لقد أهملوا النظر في كتاب الجمهورية لافلاطون، وكتاب السياسة لأرسطو، وهم الذين بلغ من اعجابهم بأرسطو أن لقبوه المعلم الأول.

ويعيد عبد الرازق سبب هذا الفراغ الفكري الذي ترك المسلمين في جهالة مطبقة بمبادىء السياسة وأنواع الحكومات الى ضغوط الخلفاء على حرية العلم. فعلم السياسة هو من أخطر العلوم على الملك، بما يكشف من أنواع الحكم وخصائصه وأنظمته. لذلك كان حتما على الخلفاء أن يعادوه وأن يسدوا سبيله على الناس.

وحسب عبد الرازق فإن هذا سبب رئيسي بين أسباب أخرى جعلت “الخلافة نكبة على الاسلام والمسلمين، وينبوع شر وفساد. والحق أن الدين الاسلامي بريء من تلك الخلافة. فالخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، ولا القضاء، ولا غيرها من وظائف الحكم ومراكز الدولة. وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة، لا شأن للدين بها، وإنما تركها لنا، لنرجع فيها الى أحكام العقل، ولتجارب الأمم، وقوانين السياسة”.

لقد اختبر التاريخ طبيعة الدولة الدينية، أو الحكومة الثيوقراطية. وتبين بما لا يترك أي مجال للشك، بأنها ظلامية بالضرورة، لأنها سياسة حكم الأموات للأحياء، وسيرة تعطيل العقل، وإبطال التنوير الذي هو خروج الانسان من قصوره المتمثل بعدم القدرة على استخدام العقل والاستسلام لتوجيهات من مصادر خارجة عن ذات الفرد نفسه، أي انسان آخر أو مؤسسة أخرى.

و”الاسلام السياسي”، بكل تنويعاته، هو هذه الظلامية ذاتها. فهو لا يعدو كونه مفارقة مأساوية رهيبة لاتجاه الحضارة الحديثة الذي يمكن تلخيصه بنقل القداسة من المعبد الى قلب الانسان. بينما “الاسلام السياسي” عبارة عن محاولة مستحيلة لنقل القداسة من المعبد الى وجهة لا تركب ولا يجب أن تركب معها أي قداسة، وتلك هي السلطة، سلطة الخلافة أو سلطة الإمامة. فالسلطة عندهم هي قدس الأقداس، لأنها استنادا الى عقيدتهم وحدها الكفيلة بسوق الناس كالأغنام الى ما يعتقدون أنه الفضيلة، أو صحيح الدين.

ومن هنا استماتة الاسلاميين على السلطة، التي ما أن يتملكوها حتى تصير شرا لا يحتمل، لأن الحرية تكون حتما أولى ضحاياهم. والكارثة عادة مع حكومات الاستبداد الديني أكبر بكثير من حكومات الاستبداد العادي. فالأولى تبلغ بها قلة الحياء حد وضع الدين ورب الدين في جيبها، وتصير هي الله وكالة أو أصالة، ولك المثل الحرفي على ذلك في “وكيل صاحب الزمان”، “المرشد الأعلى” للجمهورية الاسلامية الايرانية.

أما حكومات الاستبداد العادي فإن عملها مع الدين يقف عند حدود الاستخدام النفعي بهدف كسب الجمهور أو السيطرة عليه أو اسباغ شيء من المشروعية. وهكذا فإنك لن تجد دستورا عربيا واحدا يخلو من اعتبار الشريعة الاسلامية أحد مصادر التشريع. وليس الحرص على الشريعة او الدين، الذي يجب أن يكون واجب المجتمع، هو دافع الحكومات، وانما هو الاستخدام البراغماتي، الذي مارسه حتى حكام ملحدون شأن نابليون وموسوليني، أو ما نصح باستخدامه أيضا مفكر مثل مكيافللي، كان قد رأى في عصره ” أن الدين ضروري لتمكين الحكومة من السيطرة على الناس”.

ولعلك أين التفت الى حكومات الدين، أي دين بلا استثناء، من القرون الوسطى الى اليوم القريب، ستجد سيرة عبد الملك بن مروان تتكرر معها كأنها اسطوانة. لقد لقب هذا الرجل قبل توليه الخلافة بحمامة المسجد، لكثرة مكوثه في المسجد وطول قراءته للقرآن وتهجده ليل نهار. لكن لما أتاه خبر أنه أصبح الخليفة، أغلق القرآن وقال له:” هذا آخر العهد بك”. ثم وقف في الناس خطيبا ليقول: “والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه”.

إن المسألة لا تتعلق بحكومة اسلامية، وانما بكل حكومة دينية، فقد انتهت صلاحية الحكومات الدينية، ولكن ذلك لا ينفي بالطبع جوانب الدين الثقافية والصوفية. ومن هذه الزاوية يمثل الاسلام، كما يقول الفيلسوف الايراني داريوش شايغان، “بعدا مهما من أبعاد الترث الانساني، اسوة بديانات المعمورة الكبرى. والحال فإن القول، كما يفعل البعض، بوجود اسلام علي في مواجهة اسلام الأمويين، وبوجود الاسلام العلوي في مواجهة الاسلام الصفوي( شريعتي)، إنما يعود الى تمييزات بيزنطية تخفي الواقع أكثر مما توضحه”.

الاندفاعة العمياء

وعودا على بدء، والبدء والمنتهى في هذه المقالة يتعلق أساسا بالعراق بين انتخابين، نكرر القول بأن انتخابات 2010 بدأت بالأمل. وبعد أربعة أعوام من اجرائها دخلت البلاد في نوع من حرب أهلية. ووفقا لهذا المؤشر الخطير، والى مؤشرات أخرى لا تقل أهمية، بينها عودة قسم مهم من الطبقة السياسية السنية الى التخندق الطائفي، والنمو الملفت في قوة تنظيم القاعدة وبعض الميليشيات الشيعية، الى تواصل الإنهيار الأمني، فإن علينا توقع الأسوأ مما سيحدث بعد انتخابات 2014.

وبعد؟ هل هناك امكانية لوقف هذه الاندفاعة العمياء الى الهاوية؟

إن الاشكالية التي شلت قدرة العراق طوال سنوات التغيير بعد 2003 عن اكتشاف اتجاه بناء الدولة، وعن القدرة على فرض الأمن وتقديم الخدمات، شلت أيضا امكانية وجود وتنمية نموذج “السياسي المحترف” الذي يمكن أن يلعب أدوارا استثنائية في ظروف استثنائية كالتي يعيشها العراق.

ومثلما منعت شمولية نظام صدام قيام فضاء سياسي، أو حياة سياسية يتعلم فيها السياسي ويكتسب الخبرة والمهارة، فإن ظروف الفوضى وغياب الأمان عملت بدورها على تقزيم الفضاء السياسي الى درجات هابطة لا تسمح لطبقة سياسية ناشئة بالتدرب والتعلم والتقدم واكتساب القدرة على الابتكار، خاصة بعد أن وجدت همها الأساس متمثلا بحماية نفسها من الأخطار الأمنية، في وضع يذكِّر بمثل ضربه برتراند رسل يوما على حكومة يعيش أفرادها عيشا دائما في الطائرات، خوفا من الاغتيال. فهل يمكن لمثل هذه الحكومة أن تهتم برعاياها؟

إن تحقيق أمن المجتمع هو مهمة الحكومة. هذا الواجب تغير الى حماية الحكومة، والى تأمين الساسة: فمثلا وضع لكل نائب 40 حارسا! هذا الوضع صنع فجوة سحيقة بين الطبقة السياسية وبين الناس. فالأولى تعيش في الطائرات، أو المناطق الخضراء، بينما الناس يحيون في المناطق الحمراء.

لكن اذا تجاوزنا الطبقة السياسية الناشئة، أي التي ظهرت على الساحة بعد 2003 ، فسنجد أمثلة على وجود نموذج “السياسي المحترف”. ونعني به الشخص الذي امتهن السياسة، ولم يعرف لنفسه طوال حياته عملا سواها، وتمتع بقدرات خاصة، شأن القابلية على القيادة، والتحشيد، والتمتع بسعة العلاقات مع قوى التأثير المحلية والخارجية.

لدى الكرد يمكن التمثيل على ذلك بعدة شخصيات لعل أبرزها مسعود البرزاني. والمثل المناظر له لدى العرب قد يكون أياد علاوي. وكلاهما يعد مواطنا من الدرجة الثانية لأن مبدأ “الحكم الاسلامي الشيعي” يسلبهما الحق في تولي منصب رئيس الوزراء. ولعل علاوي يشعر بثقل هذا التمييز شعورا مباشرا، لأنه مورس عليه بصورة ظالمة بعد فوزه في انتخابات 2010.

لكن هل يمكن لمسعود أن ينتابه شعور مماثل؟

ربما كان الجواب الى حد ما سلبيا، لأن الفكرة القومية تشغل الكرد باستحقاقات واهتمامات وأهداف بعيدة عن مشاكل القسم العربي من العراق. واذا صح ذلك فإن انهماك التيار القومي الكردي بهمومه البعيدة نسبيا عن قضايا العرب يصب في خدمة فكرة “الحكم الاسلامي الشيعي”، على قاعدة اختلاف الأولويات.

Related Posts

LEAVE A COMMENT