“داعشيون” كثر بثوب غير “داعشي “

حارث حسن*

داعش تتراجع سريعا في سوريا ، والتقارير تشير إلى ان مقاتليها يفرون نحو العراق.
ما يحدث لهذا التنظيم يذكرني بما قراته في دراسة حديثة عن الحروب الأهلية حيث كانت الكاتبة تجادل بان تلك الحروب تنطوي على ديناميات وتفاعلات داخلية تتميز بالتغير السريع في التحالفات ، فمعظم القوى التي تنخرط في تلك الحروب تكون في كثير من الاحيان مدفوعة بدوافع خاصة ومحلية واحيانا شخصية ، وكثير من تحالفاتها تبنى على اساس تصوراتها لطبيعة المكافأة التي يقتضيها الموقف الذي تتخذه.

ما يبدو انه هزيمة سريعة لداعش في سوريا يرتبط بحقيقتين ، الأولى هي ان من يحاربها اليوم هي القوى السنية ومعظمها قوى إسلامية سلفية أدركت ان التخلص من داعش سيحسن وضعها التفاوضي والقتالي والمالي، والثانية ان داعش هي تنظيم من الغرباء وبالتالي من السهل تشخيصه ولفظه من الجسد السوري. وربما ادرك الكثير من مقاتلي داعش ان ما يتعرضون له من حصار على جانبي الحدود ينذر بهزيمتهم فغيروا على ما يبدو ولائاتهم وهنالك تقارير عن انضمام بعضهم لجبهة النصرة.

لقد عبّرت داعش عن كل أمراض المنطقة ، هي كيان أصولي متطرف يلجأ إلى عنف غير مسبوق واحيانا عدمي ، مشروعه هو دولة إسلامية سلفية لا تعترف بالحدود القائمة ولا بالهويات الأخرى للسكان ، هو ضد الوطنية وضد القبلية بنفس القدر . هي مشروع أنتجته ظروف الفوضى في أكثر دول المنطقة هشاشة في تماسكها السياسي والاجتماعي ( العراق وسوريا ) وأنعشته تدخلات دول إقليمية أجادت لعبة الهويات واستثمار الشروخ الاجتماعية في ساحات صراعها.

داعشيوا العراق أيضاً يخوضون مواجهة ربما تكون الأخيرة لهم ، فلا يمكنهم ان يفلتوا بسهولة من الكماشة التي تطوقهم على جانبي الحدود ، لكن بعضهم ربما سيفعل ما يفعله كثير من المقاتلين في الحروب الأهلية ، سيخلع الثوب الداعشي ويتحول مجددا الى رجل قبيلة أو شرطي أو يحاول التوفيق بين الثلاثة معا بانتظار ان يكشف غبار المعركة عن منتصر واضح.

ربما أرتنا داعش أسوأ مافي مجتمعاتنا واكثر احتمالاتها إثارة للرعب ، لكنها وحتى إذا ما انهزمت عسكريا ستظل كامنة فينا ونحن نواجه نفس معضلات العلاقة الملتبسة بين الدولة والهوية والمجتمع ، وبيننا داعشيون كثر بثوب غير داعشي وربما بانتظار لحظة داعشية أخرى.

Related Posts

LEAVE A COMMENT