“العراق، عارياً”

حمزة الحسن
حمزة الحسن*
العراق العاري هنا ليس الوطن.
بل العقل السياسي في السلطة وخارجها:
يوم كنا قبل عشرات السنوات نكتب
في صحف المعارضة ان هذه المعارضة خرجت من رحم النظام السياسي القائم يومذاك،
وتماهت معها وتدربت على اساليبها، بل أبعد من ذلك ستقيم سلطة
من الجنس نفسه،
لأن العقلية ذاتها ونظام القيم ذاته،
عندما كنا نكتب ذلك، مبكرا، وتحديدا في جريدة” الوفاق” الصادرة في لندن بصورة مستمرة ومن خلال ابواب ثابتة،
تعرضنا لحملات ردح وبيانات سوقية من مستهلكي الصحف،
وقراء المنشورات الحزبية،
وحتى تم توظيف حثالات ودياح لا علاقة لهم بالقراءة وبالكتابة والثقافة،
من اجل الاخزاء لكي نسكت.

   ابعد من ذلك جسدنا هذه التصورات في روايات منشورة تقول بالمعنى الجذري الواضح:
اننا سنؤسس سلطة اكثر وحشية في حال غياب هذه الدكتاتورية بحرب او بدون حرب ويمكن العودة الى رواياتنا خاصة: سنوات الحريق، عزلة اورستا : سرقوا الوطن، سرقوا المنفى ، ورواية المختفي ــــ وذلك عام 2000،
يوم كانت السلطة قائمة،
ويوم كانت المعارضة ــــــ أي سلطة اليوم ـــــ قائمة وتردح بشعارات الحرية والكرامة والديمقراطية والتعددية والعدالة واللبن والخ.
اليوم كثر الشتامون والناقمون والساخطون لكن بعد فوات الاوان.

    الخطاب السياسي الفج يمكن أن يعبر ويمر على كتاب وكتبة الاعمدة السياسية ومن ينتظرون” التوجيهات” الحزبية،
ومن حبستهم الاحزاب العقائدية في ثنائيات باهتة وسطحية،
ومن أسرى الخيارات الثنائية ومناضلي الابيض والاسود.

    هذا الخطاب السياسي الملفق والمزور لا يمكن ان يعبر ويمر ويخترق منظومات العقل الادبي ونظام الخطاب الروائي المؤسس أصلاً على قراءة التفاصيل المنسية والمهملة التي لا تثير أحداً،
في مجتمع تربى على الشعارات الضخمة وعناوين الصحف والجداريات الكبيرة،
لكن الشيطان في التفاصيل:

    وجدنا صورة المستقبل في معارك السكاكين بين السجناء العراقيين في سجن كويتا الباكستاني عام 1989 وكنا سجناء بتهمة العبور غير الشرعي للحدود،
وجدناها ايضا في الصراعات داخل معتقلات وثكنات وبيوت الفارين في طهران عام 1988،
وفي قوائم الانتقام الجاهزة عند سقوط النظام:
كنت في ضيافة صديقي واخي هادي حميد الصحافي المطرود من العراق الى ايران لأنه ولد سهوا في العراق،
كنت في ضيافته في منزله في دولت آباد ــــ ضاحية في طهران ــــــ وسألته يوم وقف اطلاق النار في الثامن من آب 1988،
عن سر البكاء والمناحة في بعض مقرات الاحزاب،
وعن لغز الانهيارات النفسية التي قادت البعض الى مصحات فورية،
فقال لي هادي حميد بكل وضوح:
” هؤلاء انهاروا لأن كل واحد منهم يحتفظ بقائمة للقتل والانتقام”
وكان جوابي” ما حاجتنا الى اسقاط النظام، اذن؟”.

    النظام عقلية ومنظومة قيم وطريقة تعامل وفلسفة حياة وليست مؤسسات فحسب لكي تسقط وتنتهي.

    ولم تكن هذه هي الشهادة الوحيدة بل هناك غيرها الكثير في عواصم اوروبية وعربية من دمشق الى عمان،
ومن لقاءات مع معارضة يسارية في بودابيست انتهت بمعجزة في العودة الى النرويج بعد تشليح كامل لكل ما املك من مناضلي غرف الدخان،
ولقاءات في الدنمارك والسويد وفي المغرب والنرويج،
لم اسمع سوى كلمة واحدة تتردد” الانتقام”….
فقررت العودة الى النرويج واختيار العزلة وكتابة ثلاثية زمن البرابيك التي نوهت عنها أعلاه عن عراق مسخ على وشك الظهور،
في موجات صاخبة من الردح والطبل عن الذي” يشتم القوى الوطنية”…

    في محظة قطار الكلتي ــــــ شرق بوادبيست ــــ عام 1996 كنت اجلس مع فارين جزائريين من جبهة الانقاذ الوطني لا يملكون سوى الارصفة للنوم،
عندما سألني بلقاسم ـــــ وذكرت ذلك في رواية : سنوات الحريق ـــ هذا السؤال:

    ” يا سي حمزة ماذا سنفعل اذا اسلتمنا سلطة يوما؟”
اجبت، حالا” نصبح جلادين”.

    ثم اخذت بلقاسم النجيب العصامي الى شقتي المستاجرة شهرين من قبل يساري عراقي ثوري اتفق معي على سعر ومع صاحبة الشقة على سعر اخر لأن هذا السلوك هو نتاج الانهيار العام وشيوع العدمية الاخلاقية والسياسية بعد سقوط السرديات الكبرى، على ضفاف الدانوب.

    كان بلقاسم يصلي ويتهدج :” اللهم ارحم هذا الضال الشريف”.

    بعد ان ينتهي من صلاته،
يجلس على طرف المائدة العامرة بما لا يرغب من نبيذ محلي،
اقرأ له قصيدة سعدي يوسف:
” نبي يقاسمني شقتي،
يسكن الغرفة المستطيلة،
وكل صباح يشاركني قهوتي والحليب المر،
وسر الليالي الطويلة.
…….
كانت ملابسنا في الخزانة واحدة:
كان يلبس يوما قميصي،
وكنت البس يوما قميصه،
ولكنه حين يحتد،
يرفض ان يرتدي غير برنسه الصوف
يرفضني دفعة واحدة…”

    حينذئذ نغرق في نوبة من النشيج المر،
بلقاسم في صلاته، وانا في النبيذ القليل وكان عيد الميلاد على الابواب وغدا يسافر بلقاسم ويتركني وحيدا:
لا يسافر بل يتم تهريبه في القطار الى النمسا ثم المانيا بجواز مزور اسمه في الجواز البير.

    قلت في محطة القطار للمهرب السنغالي” ليس من المعقول ان يسافر البير الفرنسي بدون حذاء لائق ولا ملابس محترمة ولا حتى بطاقة بريدية مزورة تصنع ديكورا لمسافر حقيقي. دعنا نرتب الامور”.

    لكنه وقع في الفخ بعد عبور جبال النمسا.
صادوه الالمان لأن البير الفرنسي قضى الرحلة كلها خاشعا في صلاة ابدية حتى في السجن الالماني.

    وصلت هذه الرسالة”
” سي حمزة، انا بلقاسم اكتب لك ،لكن لا تضحك، من داخل كنيسة المانية بعد اطلاق سراحي،
بلا نقود ولا مأوى.
هل يخطر ببالك ان بلقاسم العنيد يعيش على حساب الكنيسة؟
أفكر دائما في جوابك لي في محطة قطار بودابيست الكلتي عندما سالتك: ماذا سنفعل اذا استلمنا سلطة؟
وكان جوابك صادما” نصبح جلادين”.

    افكر كثيرا بهذا الجواب.
لا تتعب نفسك بارسال شيء، لا صندوق بريد ولا رقم حساب،
حتى ثمن الطوابع والورق واجور البريد تبرع لي بها كاهن شريف.
اعرف انك ستضحك وستقول لي” ماذا سيقول عنك عباس مدني لو عرف؟”.

    من هو العاري اليوم؟
العراق أم نحن؟

Related Posts

LEAVE A COMMENT