فؤاد سالم.. تقاسمَ الوطن والعاشقون أغانيه

فؤاد سالم

رشيد الخيون*
غاب في هذا العام (2013) عدد غير قليل مِن أهل الفن العراقيين في مختلف مجالاته، قياسًا بالخسارات التي لا تعوض في واقع العِراق الراهن. وضع اجتماعي وطبقة حاكمة ليس بمقدورها تعويض شيء، مِن الغائبين: المصور والخطاط الموهوب ناظم رمزي.

والنَّحات والرَّسام الراَّئد رافع النَّاصري، والملحن القدير طالب القرغولي، وعلى صعيد آخر غاب في هذا العام أبرز الباحثين العراقيين في الفلسفة: حسام الدِّين الآلوسي، والمؤرخ المعروف حسين أمين وآخرون. في يوم واحد (الجمعة الماضية) رَحل المؤرخ الدَّبلوماسي نجدة فتحي صفوة، الذي لا أرَى مَن بلغ عن وفاته، ولي في رثائه وقفة قادمة لقرب شخصي منه، ورحلَ الفنان أيقونة الغناء العراقي وشاديه: فؤاد سالم.

أما العام الذي مضى فقد غيَّب الكثيرين مِن أهل الفن والشعر والأدب: عفيفة إسكندر، ومائدة نزهت، والفنان الكوميدي فاضل جاسم، ومِن الأدباء فهد الأسدي، الشِّعراء محمد جواد الغبان. نقول الحزن يتضاعف، فالجهلاء يتكاثرون وأهل الحِجَى يتناقصون، أولئك مع كثرتهم يعوضون بألوف مؤلفة، وهؤلاء على قلتهم لا سد فراغ لأحدهم. لا يظن القارئ النَّبيه أننا نرضى بموت النَّاس لأنهم جهلاء، لا يقرأون ويكتبون مثلاً، لا لم نقصد هؤلاء، بل الجهلاء بما أُوكل إليهم مِن مهام دولة وثقافة وعمران، وبين أيدهم ظلَّ الخراب وزاد!
خرج فؤاد سالم مِن الجنوب العِراقي، المعروف بفنه وشدوه وعقوله أيضًا آنذاك، لم يسأل أحد عن مدينته أو اسمه الصَّريح، فكم التقينا به واقتربنا منه ولا نعرف إلا اسمه “فؤاد سالم”، ما كان يعنينا انحداره بشيء، أو اسمه بشيء آخر، علينا بما في الاسم مِن فن أو ثقافة أو موقف. بالنسبة لي، ولجيلي، وكنا طلبة في المتوسطة، أول أغنية أطلَّ بها ذلك الشَّاب الوسيم، صاحب الصَّوت الذَّهب، فالح بريج (فؤاد سالم) هي: “يساور الذَّهب لا تعذب المعصم معصمه رقيق وخاف يتألم”. ثم أخذت أغانيه تتوالى واحدة أروع مِن التي قبلها.

قد يقف فؤاد سالم على المسرح ساعات، ولوحده، لا يتعب ولا تخونه حنجرته، وكأنها تصقل بطول الغناء. كان يُذكر كثيرًا بناظم الغزالي، وسمعت وقرأت أنه كان مثاله في الغناء، يتنقل مِن طور إلى طور، ومن مقام إلى مقام. لستُ ناقدًا فنيًّا كي أعبر عن موهبة فؤاد سالم، إنما ما أكتبه بحكم التذوق وذكريات الشَّباب، وما كانت تعبر لنا أغانيه، في القرب وفي البعد. كانت للكثيرين بريد الهوى مع مَن يحبون، في أجوائنا الشَّرقية التي ظلت أخلاق العشق فيها ممتدة مِن مي وذي الرّمة وجميل وبثينة، كنا نحفظ لهؤلاء القصائد في المدارس، مع تحريم المجاهرة بالحبِّ.

لم تكن أغاني فؤاد سالم بريد الهوى بين المحبين، بل بريد الهوى بين النَّاس والوطن، لا أظن أن أغنيةً كأغنية “يا عشگنا” (عشقنا) أُغلق بابُ دارٍ بوجهها، حتى مِن قِبل أشد المتشددين المحرمين للغناء، فإن لم يسمعها في داره تأتيه مع الماء والهواء. لحنها الفنان القدير حميد البصري، وأدتها معه الفنانة ذات الصَّوت الشَّجي شوقية العطار، وكتب كلماتها الشَّاعر صاحب العبارة المتينة كاظم الرويعي، كان المغني والمغنية والملحن مِن أهل البصرة، البصرة التي عُرفت بشعرها وفنها، أليس أساطين الشعر الحرِّ، السابقون واللاحقون، تأسسوا مِن هناك، حيث كان يكتب ويُلقي بدر شاكر السَّياب(ت 1964) قصائده.

يا عشگنا فرحة الطير اللي يرد لعشوشه عصاري/ من سوابيط العنب ونحوشه عصاري/ وگاعنا(أرضنا) فضه وذهب واحنه شذرها/ وشحلات العمر لو ضاع بعمرها/ خذني للمرواح عود خذني سن لمنجلك/ من يوج ضي الخدود شمعه وبديره هلك / اضوي أيام الحصاد الجايه/ والبيادر كالجبال العالية …”.
يجعلك هذا النَّص مع أداء فؤاد سالم بصوته الطّْرب الصافي، وأنت تقدم على العمل، نشطاً، يبث فيك روح التعايش، يقول لك: بناء الوطن بيد المرأة والرَّجل، إنه بيادر وناس لا يعولهم دين ولا مذهب ولا قومية، في الوقت نفسه يشعر المثقل حبًّا، وفيه كآبة عشق كالتي أصابت مجنون ليلاه، بالأمل وخفة الرُّوح والجسد.

ما بين صوت فؤاد سالم -في هذا النَّص بالذات- وعبارات التشدد الطَّائفي الجارحة، في عِراق اليوم، بونٌ شاسعٌ؛ هي المسافة ما بين الحرب والسَّلام، ما بين الموت والحياة، ما بين الحب والكراهية. عندما يُقال العمل وحب الوطن عِبادة لا بد أن تكون هناك أرواح خالية مِن التَّدمير والتخريب، خالية مِن ثقل البغضاء، فما إن بدأت الحرب تقرع طبولها غابت تلك الأغنية، وتفرق العُشاق، مثلما لم يجد فؤاد سالم مكانًا يأويه في هذا الوطن الرَّحيب، الذي غنى له “يا عشگنا”.

لم تؤثر “يا عشگنا” فينا نحن العراقيين، مِن ذلك الجيل، فقط، إنما شاعت في الآفاق، واندهشت عندما وجدتها معروفة بدولة الإمارات العربية المتحدة منذ إطلاقها، ففي جلسة مع صديق إماراتي، مِن رأس الخيمة، وهو الآن في مستوى وظيفي وعلمي مرموق، وجدته يحفظ نصها كاملاً مع اللحن؟ ولما سألته: مِن أين أتتك هذه الأغنية وقد اختفت تحت أصوات المدافع وهموم الحصار ببلدها؟! قال: كنا نسمعها مِن الإذاعة صباحًا في كلّ يوم تقريبًا! أقول: إنها وليل البنفسح، التي يؤديها الفنان ياس خضر، مِن المعلقات لجيلنا، ولم نتغير عليهما.

أول مرة التقيت بفؤاد سالم، عام إطلاق “يا عشگنا”، على ما أظن (1976)، وكنت معلمًا شابًا بصحبة الشَّاعر والكاتب شاكر السّماوي، عند صالة سينما بابل وسط ببغداد، كان فؤاد وسيمًا، ثيابه منتقاة بعناية الفنان، وكان منذ ذلك التَّاريخ ينوي السَّفر للعلاج مِن السُّكري، والتقينا في التسعينات، وقد ترهل جسده، لكن صوته كما هو ظل قويًّا مرنًا، وسهلت عليه الألحان مهما تعقدت، وجدته لا زال يشكو مِن السُّكر، وبعد حين التقيته بأربيل (2007)، وأنبته، وكان يلتهم الحلوى كالطفل، ويزرق جسمه بالأنسولين؟
رحلتُ كثيرًا، وجمعت مكتبة هنا وهناك، وضاعت في الأسفار، إلا كاسيت فؤاد سالم، وديوان بدر شاكر السَّياب، الذي يقول له وللواتي يحبَّن شعره ولا يقتربنَ منه: “أقول مِن حسدي له/ يا ليت مَن تهواك تهواني”! أنقذت هذا الدِّيوان مما كان أخي ينوي رميه، فقد سرقته من حقيبته بعد أن تخلى عن كتبه، مِن شعر وأدب ونوى إتلافها؛ لأجل مشروعه الدِّيني الحزبي، وللأسف راح ضحية هذا المشروع، ولو عاش وشهد ما حدث ما رخصت عليه نفسه. هذه حكاية الدِّيوان. أما كاسيت “موبدينه نودع عيون الحبابي (هل يقصد الحبايب؟؟؟؟) مو بدينه” فأمره أمر ..!

Related Posts

LEAVE A COMMENT