هذه ضحيتكم: الأنبار

علي السراي*

الأنبار درسٌ عراقي فاشل، دوماً، في مكافحة الإرهاب. القاعدة تبني دولتها الصحراوية، وتمتد إلى المدينة، قابضة على كل شيء، وتكافح آخر ما تبقى من “الحياة” هناك.

بعد عشر سنوات من “الأمن الهش”، وخططه التقليدية، تبدو المدينة خارج الدولة. الحاكم الحقيقي هناك، مسلحون يمسكون طريقاً دولياً، ومساحات شاسعة من الرمال، ورؤوسهم الملثمة تطل على ملايين الخائفين.

كل من يتحدث عن المدينة، التي حظيت بتقديرات خاطئة لا تحصى عن حقيقة وضعها، ومعادلة الأمن فيها، يضع أكبر محافظة عراقية في مهب الريح، ويرسم لها صورة متأخرة، توجع القلب، وترهب ذاكرة محبي “الغربية”.

ما يقوله ضابط الاستخبارات العسكرية هذا، قد يقرب الصورة: “كانت الدورية ترابط على الطريق الدولي، لأغراض التفتيش، حتى جاءت الأوامر بالانسحاب، حتى لو تطلب ذلك عشر دقائق فقط”.

في عشر دقائق مرت عجلات تهرب مسلحين مع سلاحهم مضت في طريقها إلى الصحراء.

ليس صعباً اكتشاف أن القاعدة وجدت من يفتح لها الباب إلى المدينة، أو أنها عثرت على يد هنا أو هناك، تساعدها على بسط النفوذ. ليس صعباً أن نقول أن المدينة تسقط على يد من فيها.

وليس صعباً، كذلك، أن نضع سكان المدينة في مرمى النقد، لنقول لهم تحملوا ما ارتكبت أياديكم.

ليس صعباً على النخبة السياسية أن تترك النار في الرمادي حتى تصير رماداً، لأنها ببساطة معقل القاعدة.

ليس صعباً على القادة الشيعة والسنة، نسيان الأنبار، ما دام الحريق استثمار يقود إلى السلطة. عرابو الوضع السني في الرمادي، يتجارون بمستقبل مدينتهم، ويتركونها في عزلة دائمة، وصناع الخارطة الشيعية، يراقبون المدينة على أنها “موطن الشر”.

الانبار درس عراقي ناجح في عقد الصفقات المتبادلة. إذ تقوم معادلة الأمن هناك، على أن من يكسب أكثر، ولو بجهود القاعدة، سيكون حاكماً على إمارة الصحراء.

وهي درس عراقي ناجح، للحكومة في بغداد: اترك الناس للجحيم، حتى يتبين لهم أن العدو ليس شيعياً.

سنة الأنبار وشيعة العراق، دفعوا المدينة إلى المجهول.

يقول ساسة شيعة، إن الانباريين لن يعدلوا عن عدائهم لنا. هم يدعمون صدام، والبعث، والقاعدة، وسياسيين قتلة، وخطباء طائفيين، ويفتحون خطوط مدينتهم لإمداد “داعش” و”النصرة”، ويتركون أرضهم معسكرات للملثمين، ومن بين أهل هذه المدينة خرج ذباحون وقتلة وانتحاريون.

القوى الكبرى في البلاد تترك الانبار للجحيم، لأن “معطيات” سياسية، طائفية صنعت سياسة “مكافحة الإرهاب”.

من قال ان الدولة تعاقب مدينة تشتعل بالنار، بحرقها أكثر؟

بعد عشر سنوات، تنتج سياسة “مكافحة الإرهاب” هذه المزيد من كارهي “بغداد”، وداعمي القاعدة.

كانت أصوات تقول إن السنة في العراق مستعدون للشراكة، وإنهم بحاجة فقط، للاندماج في سلم اجتماعي في عراق ما بعد صدام، أن يشعرهم الشيعة بالاطمئنان.

ربما قد فات الأوان على اكتفائهم بالطمأنينة، وحان الوقت لندرك أن الاندماج في مجتمع متنوع يصنعه ساسة حكماء، يفضلون المكاسب، من دون خنادق ومربعات طائفية.. ساسة يصنعون مصالحهم على الطاولة، وجهاً لوجه.

Related Posts

LEAVE A COMMENT