“الأسلمة السياسية في العراق: رؤية نفسية”

25541441

بغداد- صدر كتاب جديد للدكتور فارس كمال نظمي بعنوان: “الأسلمة السياسية في العراق: رؤية نفسية”. يبدأ الكتاب بسؤال جوهري سيظل يواجهنا لعقود: “أهو دين أم تديّن أم تديين؟ أهو إسلام أم تأسلم أم أسلمة؟

أهو دين ايديولوجي محدد العقائد والغايات في أذهان معتنقيه؟ أم هو صورة إدراكية سيكولوجية حمّالةُ أوجهٍ حد التشظي، ونحو كل وجه منها يتجه جمهور محروم ومتعصب ومتعطش لأي يقين يريحه من أزمته الهوياتية المتفاقمة في عصر عولمي، تهيمن فيه أصنام التكنولوجيا وتنحسر العقلانية وتسود اللامعيارية؟”

فقد افتتح العراق القرن الحادي والعشرين بتجربة الدين السياسي الحاكم، وانبثق بأثرها ما صار يعرف بنظام “الطائفية السياسية” القائم على أساس ديني بالدرجة الأولى، والذي ألحق مصيرَ البلاد والبشر بقوى ما وراء الطبيعة التي يدّعي وصلاً بها. ، فبات العراق اليوم يشهد ما صار يُصطلح عليه بـ”الأسلمة” Islamization، أي سعي الأحزاب والجماعات الدينية بمذاهبها وتوجهاتها المتعددة إلى أسلمة السلطة والدولة والمجتمع والفرد في آن معاً، بكيفيات ودرجات متنوعة، مستعينةً بصناديق الانتخاب للوصول إلى غاياتها؛ بمعنى نزع الصفة البيولوجية أو الاجتماعية التطورية عن الحدث، وإلباسه هويةً ماورائيةً مطلقة تتجاهل نسبية عناصر المكان والزمان، بما في ذلك: أسلمة العلوم والفنون والآداب والقوانين والأزياء والعادات والعلاقات الاجتماعية والحريات الشخصية والعامة وحتى التحية والألفاظ والنظرات والأحلام.

تتلخص الأطروحة المركزية للكتاب بالقول: إن “محاولة فرض الأسلمة السياسية على المجتمع العراقي، هي خيار يقع بالضد من النزعة “العلمانية الاجتماعية” الراسخة لهذا المجتمع. لذلك فإن أحد الأسباب الرئيسة المفسرة لاستمرار مسلسل الصراع السياسي الدموي في العراق هو نزعة الأحزاب الدينية الحاكمة فيه لتشكيل المجتمع على شاكلتها، أي محاولة تطييفه قسراً عبر إخراجه من هويته المسلمة المسالمة بمذهبيها المتعايشينِ وإدخاله في هويةٍ تأسلمية متعصبة بمذهبيها المتصارعين”.

لقد أثبتت التجربة العراقية في مرحلة ما بعد سقوط الفاشية القوموية أن التديين السياسي للسلطة والدولة والمجتمع والفرد، يضع الجميع بموقف الصراع مع الجميع؛ يضع السلطة بمواجهة الفرد، والدولة بمواجهة المجتمع، والدين بمواجهة الدين، والطائفة بمواجهة الطائفة، والإنسان بمواجهة الإنسان، ويضع آفاق المستقبل بمواجهة قيود الماضي، ويضع الحقائق البسيطة الجلية بمواجهة الأوهام المركبة المتحذلقة، ويضع الحرية بمواجهة الإلزامات القهرية لعقائد لا يمكن إثبات مطلقيتها أبداً، ويخلط المعايير ببعضها، فيصير الحرام حلالاً والحلال حراماً، وتغدو القسوةُ السادية حيال الآخر المغاير والتنكيلُ بالإرث الجمالي والثقافي للمجتمع أموراً يمكن تسويغها بل وشرعنتها بمسميات إلهية. والأهم من كل ذلك، إنه يشطر الشخصية البشرية إلى رقيب ومراقَب، إلى كابت ومكبوت، إلى آثم وفاضل، فيكبر ازدواج الأدوار ويغيب التناغم وتنشرخ الوحدة النفسية للإنسان بعكس كل ما أرادته وبشّرت به الأديان في منطلقاتها الأولى قبل أن يجري تسييسها!

يتألف الكتاب من مجموعة مقالات وأوراق فكرية كُتبت خلال السنوات الأربعة الماضية ابتداءً من العام 2008م، ما يجمعها هو سعيها لتقديم تفسير متعدد الأبعاد والزوايا لكيفية تفاعل سيكولوجيا الدين بسيكولوجيا السياسة لإنتاج ظواهر سلوكية مجتمعية مهمة بضمنها أنماط لشخصيات اجتماعية بدأت بالبروز تباعاً بعد نيسان 2003م، دون إغفال ما لتلك الظواهر وأنماط الشخصية من صلات نشوئية بعموم تأريخ العراق المعاصر الذي سبق تلك الحقبة. كما يحتوي الكتاب ملحقاً عن “الربيع العربي” والإسلام السياسي.

يريد هذا الكتاب أن يقول أن موضوعة “الأسلمة” تحيلنا من جديد إلى مسألتي “الحرية الفردية” و”الكرامة البشرية” اللتين قطع العالم اليوم أشواطاً بعيدة لتثبيتهما بدساتير مدنية وشرائع ولوائح تضمن حرية التنوع إلى أقصى مدياته، ذلك إن جذر مشكلة الأسلمة السياسية (أو التديين السياسي عموماً) يتحدد ببُعدها النفسي الضاغط، إذ تغدو أداةً لاستلاب الفرد وتغريبه عن ذاته وعالمه عبر سجنه في شرنقة “الأحادية” ووضعه في موقف التضاد الحتمي مع حقيقة “التنوع” الفكري والسلوكي الذي تنطوي عليه الحياة البشرية، خانقةً فيه أي نزعة عقلانية لإصلاح واقعه الاجتماعي واستعادة حقوقه على أسس التمدن والعدل والحداثة.

وهذا ما أفلحت الأسلمة السياسية بتحقيقه في العراق، إذ دفعت العراقيين قسراً إلى إعادة تصنيف ذواتهم الاجتماعية على أسس طائفية -وحتى عِرقية- ما قبل مدنية، منسحبين من ساحة التنافس السياسي على أسس البرامج المدنية الإصلاحية، ليتمترسوا في حلبة الصراع السياسي على أسس الإمارات الطائفية والمناطقية المتنازعة.

لكن الشخصية الاجتماعية للفرد العراقي ما تزال تكتـنز الكثير من عناصر التماهي الوطني العقلاني بحسب مؤشرات تأريخية وموقفية يتطرق إليها هذا الكتاب. وهنا فقط، وليس في الأداء الرث للنخب السياسية الحاكمة، تكمن آمال التغيير القادم !

Related Posts

LEAVE A COMMENT