صناعة الأمل

عبد الخالق كيطان*
تساءلت يوم أمس عن الأمل، واليوم أريد أن أقول أن الأمل موجود.
في البداية لا يمكن إلا أن نؤمن بأن هذا الأمل بالتغيير لن يتحقق إلا عبر الصندوق الانتخابي. هنالك جهات احتكرت هذا الصندوق في السنوات الماضية لأسباب شتى، أوجزها بالآتي: الإمساك بالسلطة وما يتفرع عنها من مال وسلاح. التشبّت بالشعار الطائفي والقومي الذي يستطيع تحشيد الاتباع. انكفاء التيارات المدنيّة ما فسح المجال لغيرها من التقدم. يأس قطاعات عريضة من العراقيين بضرورة التغيير. التسليم القبلي بأن الموجود هو خير ما موجود.

اليوم نحن أمام معادلة عراقية مختلفة. وكذلك معادلة اقليمية، وأخرى دولية.

في العراق لدينا انشقاقات واضحة في الكتل البارزة. وهو دليل أمل. ولدينا حراك سياسي يمكن له أن يفرز نتائج مختلفة، وهو دليل أمل أيضاً. دعم الكتل صاحبة التاريخ الواضح في النضال المدني أصبح ضرورة. كما هو الحال مع الكتل النظيفة. من هي الكتل الوسخة؟ أنتم تعرفونها جيداً.

في المعادلة الاقليمية فسح الاتفاق الايراني مع الدول الكبرى، مؤخراً، الباب على مصراعيه ليتحول العراق من ساحة خلفيّة، أو من كونه لاعباً غير مؤثر، بل قل تابعاً، في المنطقة، إلى إمكانية تحوله إلى لاعب أساس. دول الإقليم من مصلحتها بقاء العراق ضعيفاً، هذا أمر مفهوم، ولكن، ومن ناحية أخرى، فإن بروز قوة جديدة، في المنطقة، هي العراق، قد يدفع إلى مزيد من السلام في المنطقة. الدول العربية المحيطة بنا تريد ذلك. المارد التركي وشقيقه الإيراني يجيدان اللعب السياسي، ومن المؤكد أنهما يفضلان اللعب مع جار قوي لا جار ضعيف. سلطنة عمان، على سبيل المثال، لم يكن كثيرون يتوقعون أن تقف بقوة بوجه الاتحاد الخليجي. هذه دولة تريد أن تستقل بنسفها، وبقراراتها. العراق مؤهل تماماً لأن يستقل هو الآخر. الشرط الأساس هو الأمل الذي من الممكن أن يحققه التغيير في الانتخابات القادمة.

أما المعادلة الدولية، وبعد أن نفضت الولايات المتحدة يديها من العراق، وكذا فعلت غير قوة عالمية، فلقد بات بإمكان العراق العودة ليصبح ركناً أساساً في أمن المنطقة، وكذلك في الاقتصاد العالمي بالاعتماد على نفسه فقط. الشرط الوحيد لتحقق ذلك يكمن في التخلي عن السياسة العدائية تجاه دول الإقليم، وكذلك في الخروج من الوصفة التي رسمتها الحكومة العراقية الحالية، وحلفاء هذه الحكومة، لمساراتها، بأن يتحول العراق، كما هو الأمر عليه الآن، إلى مجرد مصنع للأزمات الداخلية. أن يتصدر العراق تقارير العالم المختلفة في قوائم الأفشل، سياسة أجبرت البلاد على الانكفاء، وبالتالي الرضوخ لسياسة صنع الأزمات الداخلية. المطلوب اليوم أن نحلحل أزماتنا. نقوم بتصفيرها. أن نتصالح مع أنفسنا. مع الشركاء بمختلف مسمياتهم. عقد صفقة داخلية ضمن عقد اجتماعي متفق عليه. كل ذلك يمنحنا القدرة على أن نعود لنصبح مؤثرين في المعادلة الدولية. نحن نمتلك الكثير من المؤهلات البشرية والمادية والحضارية لذلك، فلماذا نتأخر؟

صناعة الأمل في العراق اليوم ليست حلماً. ولكن الاستمرار في الاتكال على الآخر من أجل انقاذنا مما نحن فيه قد يؤدي بنا إلى أربعة أعوام جديدة من الخيبة، واليأس أيضاً. ومن المؤسف له أن البيانات التي تعلنها المفوضية المستقلة للانتخابات تفيد بأن نسب الإقبال على تحديث سجل الناخبين ظلت متواضعة. تجربتنا في مجالس المحافظات الأخيرة أثبتت أمرين: تواضع نسب المشاركة في التصويت، وقدرة المصوتين، في الآن ذاته، على اجتراح نتائج مختلفة ومفيدة على طريق التغيير.

بالنسبة لي: أستمتع كثيراً بما أقرأه عن انشقاقات في الكتل البارزة. وأعمل على تشجيع تفتيت تلك الكتل. العام الذي نودعه قريباً كان عاماً مروعاً. ومن أجل أن نستطيع صناعة الأمل علينا أن نفكر بشكل جدي بالآليات الديمقراطية التي تمكننا من وضع أشخاص جديرين بثقتنا على كراسي المسؤولية. أشخاص قادرون بالفعل، لا بالقول، على بعث الأمل من جديد ببلادنا وكفاءاتها.

Related Posts

LEAVE A COMMENT