جنوب العراق ينهض مجددا

1131215_basrah st construction

باستثناء محددة، تظهر معظم الأخبار الخاصة بالعراق، هذه الأيام بعيداً عن الصفحات الأولى لتظهر في الصفحات الوسطى من صحيفتكم اليومية. وقد تضيف حواشي تلك القصص الإخبارية القول إنّ الوضع في البلاد آخذٌ بالانحدار من سيءٍ إلى أسوأ منذ الانسحاب الأمريكي. تذكرون (زيادة عديد القوات الأمريكية)؟ هل يتذكرها أحد؟

لقد احتوى المالكي القليلين، وعزل الكثيرين. والسُنة والشيعة، من الشمال إلى الجنوب، يتظاهر كل منهما لقضايا تختلف عن قضايا الآخر. ولو كان المتظاهرون متّحدين، فربما يكون ذلك إيجابياً. لكنهم في الأغلب ليسوا كذلك. وتنظيم القاعدة ينتعش ويظهر من جديد. وفي العموم، تبدو أخبار العراق كالحةً مُحبطةً جداً، بحيث أنّ الأمريكيين قد يريدون فقط أن يواصلوا حياتهم وينسوا كل ما يتعلق بهذا الملف تماماً.

ولكن، وبصورةٍ غير مباشرةٍ، تجد العراق ما يزال يظهر في الأخبار وبشكلٍ بارزٍ، وهو إذ يناضل للنجاة من تأثيرات الصراع السوري ودعم الازدهار والطفرة المتحققة في مجال الطاقة، قد يكون البلد الأكثر أهميةً من الناحية الاستراتيجية في الشرق الأوسط، على نحو ما أشار الجنرال جيمس جونز مؤخراً في تعليق له. والاتحاد الأوربي أخذ يتنبه الى هذا الأمر، لكنّ الولايات المتحدة لم يحفزها على التحرك إلا ظهور تحالفٍ شرسٍ ضارٍ بين المقاتلين السوريين والعراقيين في تنظيم القاعدة.

الأسباب التي تقف وراء هذا الاهتمام المتأخر بهذا البلد عديدة، أولها توجهات المالكي الاستبدادية. هذا مع عدم اهتمام أوباما بـ (حرب بوش)، وتخليه عما كانت في الماضي مهمةً طموحةً تقوم بها وزارة الخارجية الأمريكية، لتظل السفارة الأمريكية في بغداد في تخبطٍ، فمَن في واشنطن سيحفل بالأمر حقاً؟ لقد حظي العراق بانحسارٍ في العنف وجيشانٍ في الروح الوطنية، دفع قوات الولايات المتحدة الى حزم أمتعتها والرحيل، في الوقت الذي شعر فيه أوباما بأنّ المهمة لن تحقق أكثر مما حققته في حينها. وكان أقطاب السِّلم والتهدئة وعملية زيادة عديد القوات في أفغانستان تُرسل إشاراتها إليه.

جوهر الأمر هو أنّ الأخبار الأخيرة أظهرت العراق، بشكلٍ متواصلٍ، بأنه بلدٌ يتداعى ويهوي، مثل (بذلةٍ رخيصةٍ)، كما وصفه الجنرال أنثوني زيني في نبوءته الشهيرة. والعنف الحاصل كله حقيقيٌ وواقعٌ تماماً، لكنّ الصورة الأكبر أكثر تعقيداً وتحمل تفاصيل دقيقة، حتى مع استمرار السفارة الأمريكية العملاقة الموجودة هناك في تقليص أعداد موظفيها. وعلى خلاف المفروض، مع توجّه (مكتب التعاون الأمني ـ العراق) إلى غلق أبوابه وإنهاء أعماله، شهد عام 2013 عودة كيري الى بغداد ورأيناه يدخل في مزاحٍ مع المالكي.

والحديث عن إعادة تنشيط اتفاقية الإطار الاستراتيجي التي اعتراها التعب في السابق أصبح أمراً واقعاً، وثمة سببٌ وجيهٌ لهذا، فمصداقية المالكي تترنّح تحت تأثير العنف المتصاعد، في الوقت الذي عانى فيه وزير الخارجية، هوشيار زيباري، الأمرّين في محاولته إقناع الأمريكيين بالمحنة التي ابتُلي بها العراق في زيارته الأخيرة لواشنطن، ففي هذه المرة، تبدو عملية تجديد العلاقات مسألةً مرغوبةً ومطلوبةً لدى الطرفين، وهي صورةٌ مختلفةٌ جداً عما كان عليه الأمر قبل عامين، فالدبلوماسية الهادئة التي تدور حول قضايا مثل التزامات العراق للخروج من طائلة الفصل السابع وتقاسم عائدات النفط والحرب السورية كانت قد أخذت تتسارع في خطاها.

وهذا الأمر مهم، لأنّنا إذا نظرنا على بعد 200 ميل جنوب العاصمة بغداد فسنجد (محافظات الأهوار) الأربع ما تزال تتمتع بتزايدٍ مثيرٍ للإعجاب للاستثمارات الأجنبية التي أثبتت، إلى حدٍ كبيرٍ، صلابتَها وقوتها بوجه العنف الذي يقوده تنظيم القاعدة إلى الشمال من هذه المحافظات، فهل استقرار المحافظات الجنوبية هو أمل العراق الأخير؟ محتملٌ جداً. وهنا، سيتوجب على الغرب أن يسير بخطواتٍ حذِرة، فالأحداث الدائرة في سوريا قد تكون لها انعكاساتها في الجنوب وصولاً الى البصرة، حيث صرّح عضوٌ برلمانيٌ من المدينة مؤخراً، وهو جواد البزوني، بالقول: “إن الولايات المتحدة تدعم تنظيم القاعدة في سوريا والعراق”.

وإذا كان هذا الكلام كلاماً فارغاً، فإنّ هذه النظرة ليست غريبة على شيعة العراق، وهي تثير التساؤلات عن قدرة أمريكا على القيام بتوصيل دعمها للشعب العراقي بتواصلٍ استراتيجيٍ.

في الوقت نفسه، يشعر العديد من السُنة بأنّ الولايات المتحدة تخلّت عنهم وتركتهم يواجهون مصيرهم تحت رحمة كلٍ من القاعدة وحاكمٍ متسلطٍ في بغداد. وهذه الآراء لن تتغير بسهولة. لكنّ إعادة تنشيط التعاون الأمني بين الولايات المتحدة والعراق يهدف الى تحسين قدرة العراقيين على مكافحة الإرهاب وإيقاف الهجمات الإرهابية التي تحوّل الشباب الشيعة الى عناصر متطرفة.

وهذا التوجّه فيه مخاطرةٌ بأن يكون مكافأةً للمالكي على فشله وأن يذهب ببريق المحاولات الرامية الى تحقيق المصالحة الوطنية. والبعض يُحاجج بأنّ جيشاً عراقياً أفضل هو ذلك الجيش الذي يتعلم بالطريقة الصعبة: بدون مساعدة. ومع ذلك، فإن التدهور المتواصل في الوضع الأمني تصاحبه خطورة تسليم المكاسب السياسية الى أحزابٍ لها ارتباطاتٌ مليشياويةٌ قائمةٌ منذ فترةٍ طويلةٍ، وسيكون هذا الوضع وضعاً خاسراً للجميع. والمساعدة المطلوبة جداً في مجال مكافحة الإرهاب قادمةٌ في طريقها، وهي تأتي في أعلى برنامج مبيعاتٍ عسكريةٍ أجنبيةٍ والذي تجاوزت قيمته سلفاً 14 مليار دولار، وهو ما يساوي تقريباً موازنة الدفاع لتركيا لعام 2013.

مشاريع عملاقة

يملك العراق جاذبيةً كبيرةً للمؤسسات الاستثمارية. ففي حزيران/ يونيو الماضي، افتتحت مؤسسة (سيتي غروب) الأمريكية المالية مكتباً لها في بغداد. وفي آب/ أغسطس الماضي، افتتحت شركة (ميتسوبيشي) مكتباً لها في البصرة، وحتى في محافظة الأنبار مضطربة الأوضاع، ضمنت مؤسسة (كوغاس) الكورية عقداً بقيمة 700 مليون دولار لتطوير حقل عكاز الغازي الضخم. والأمر المهم هو أنّ كل هذه الأمور وقعت بعد تصاعد موجةٍ كبيرةٍ من العنف. وفي الوقت الذي نجد فيه أنّ معظم هذا الاهتمام يتمحور حول قطاع الطاقة (في ظل وجود 12 مؤسسة ضخمة تقريباً تتنافس في الوقت الحالي للفوز بعطاء بناء مصفى جديد في محافظة ذي قار الجنوبية) فإن قطاعاتٍ أخرى ما تزال تجتذب اهتماماً كبيراً أيضا، حسب قول زاب سيثنا من مؤسسة (نورثيرن غولف بارتنيرز): “إنّ القطاعات الرئيسة التي ينبغي التركيز عليها في البنية الاقتصادية العراقية المنتعشة من جديد هي بالطبع الطاقة والبنية التحتية الى جانب مجالاتٍ ستستفيد من ارتفاع المدخولات وصرفيات الزبائن، فمعدل الناتج الإجمالي الفردي تضاعف ثلاثة أضعاف في السنوات العشرة الأخيرة وهو في طريقه الى الوصول الى الضعف ثانيةً في الأعوام الأربعة القادمة والضعف في الأعوام الأربعة التي تلي هذه. وستشهد قطاعاتٌ مثل الاتصالات وصناعات الأغذية والمشروبات والمنتجات الاستهلاكية والخدمات المالية والصحة والتعليم جميعها زيادةً هائلةً في الطلب”.

باستثناء الازدهار الحاصل في كردستان العراق الذي يُركز الإعلام عليه كثيراً، نجد باقي العراق بحاجةٍ ماسةٍ لهذا النوع من النمو. وفي الجنوب تبرز منارتان مضيئتان لأملٍ مستقبليٍ، بعيداً عن قطاع الطاقة: مشروع ميناء الفاو الكبير، والفرصة الكامنة للنشاط السياحي، مهما كان حدوث هذا بعيد الاحتمال.

مشروع الفاو قيد التنفيذ سلفاً وعندما يكتمل العمل فيه سيكون ثالث أكبر ميناءٍ في العالم، موقعٌ له أهميته الاستراتيجية العالمية. وهناك خطوطٌ للسكك الحديد ضمن الخطة ستقوم بنقل الشحنات إلى أوربا عبر تركيا، مستعيضةً بذلك عن قناة السويس ومُعززةً أهمية الشرق الأوسط كمركزٍ رئيس للتجارة الدولية.

وبخصوص السياحة، هناك في الوقت الحالي مُشغلٌ أوربيٌ واحدٌ فقط في هذا القطاع في جنوب العراق. لكنّ محافظات الأهوار غنيةٌ بمواقعها التي لم تُكتشف بعد مِن السياح الجريئين، فخمسون سائحاً إيطالياً يُفترض أنهم قاموا بزيارةٍ في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي. وبإمكان أي فردٍ مهتمٍ بزيارة ميسان ورؤية ثقافة عرب الأهوار القديمة في المحافظة أو (مهد الحضارة) أن يحذو حذو هؤلاء السياح قريباً. والنجف وكربلاء تحظيان بالاستدامة الاقتصادية سلفاً نتيجة تدفق الزوار الإيرانيين. فهل يحذو حذوهم قريباً ربما المزيد من الزوار المسيحيين القادمين من الغرب؟ بالتأكيد، غالبية العراقيين في الجنوب ليس لديهم خلافٌ مع المسيحية، وسيرحبون بازدهار هذا القطاع.

كانت هذه بالضبط الصورة التي رسمها رجل الأعمال الأمريكي وليام جونسون عندما تحدثت معه الشهر الماضي، إذ قام بزياراتٍ متكررةٍ لأصدقاء في عموم جنوب العراق بدون مرافقةٍ أمنيةٍ في أثناء عمله في مشروع بناءٍ تديره شركته (إراك دريم هومز المحدودة)، فبعد ثمانيةٍ وعشرين عاماً قضاها في الجيش وثمانية أعوامٍ تقريباً خدم فيها في العراق كمدنيٍ خلال الحرب، ليس جونسون بالرجل الذي يدخل في مخاطراتٍ غير ضرورية.

وإذا حافظ جنوب العراق على استقراره الحالي يمكن أن تُشكل السياحة والمشاريع الأجنبية نسبةً لا يستهان بها من الاقتصاد المحلي. ويوضح عزام علوش، الذي بدأ عملية إحياء أهوار الجنوب، التي يتذكرها منذ أيام الطفولة (بعد عملية تدميرها المعروفة التي قام بها صدام)، أنّ الأهوار مشروعٌ له إمكاناته على المدى البعيد مع الإدارة المتأنية. يقول: “إنّ تطوير السياحة البيئية التي تتمحور حول الأهوار ستجعل الأمر واضحاً قريباً للسكان المحليين بأنهم سيحصلون على دخلٍ يأتي من حماية البيئة والإبقاء عليها أفضل من الدخل الذي يأتي من القيام بحصادها”.

النصر لمَن؟

روايتا علوش وجونسون لا تنسجمان مع الصورة السائدة التي ينقلها الإعلام لنا. وحتى في ظل احتدام الصراع في العراق، تظهر روايةٌ أخرى معروفةٌ للعامة تُبرز الصين على أنها الرابح من الصراع في العراق، فالولايات المتحدة قدمت تضحياتٍ (بالدم والمال)، لكنّ شركات النفط الصينية المملوكة للدولة فازت بالعقود. وهذا تبسيطٌ للأمور، وهو يُغطي المدى الواسع الذي وصل اليه الدخول الدولي في العراق، وخاصةً من جانب فرنسا واليابان وتركيا، فحسب وكالة الطاقة الدولية، خفّف إنتاج العراق المتزايد للنفط من الضغوط على الأسعار العالمية، وهو أمرٌ ذو معونةٍ للجميع، بمن فيهم حلفاءُ للولايات المتحدة في آسيا، الذين ما يزالون يعتمدون على نفط الشرق الأوسط.

آخرون يدّعون أنّ المنتصرين البارزين هم الأكراد أو تركيا أو إيران، لكنّ هذه النظريات تبسيطيةً أيضاً، فالعراق وإيران تجمعهما علاقةٌ معقدةٌ، وهي حميمةٌ بالطبع، لكنها ليست بعلاقة شراكةٍ استراتيجيةٍ على الإطلاق، ففي النهاية، يُثمن المالكي علاقته مع الولايات المتحدة أكثر بكثير من تقرُّبه من خامنئي، في الوقت الذي نجد فيه العراقيين في الحكومة قد أكدوا باستمرار على رغبةٍ في إقامة المزيد من العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة، بمن فيهم وزير النقل المحابي لإيران، هادي العامري، الرجل الذي يدين (البروباغاندا الأمريكية)، في الوقت نفسه الذي يُثني فيه على استثمار الولايات المتحدة في البصرة.

والمالكي أيضاً سائرٌ على طريق التعبير عن عدم ثقته بإيران وكُرهه للأسد. لكنّه يغازل المجموعات المحابية لإيران لتحقيق غاياته السياسية، وإيران تبدو راضيةً بما يكفي عن وجوده في منصب رئيس الوزراء، فهل سيتسامح مع المتطرفين الذين يُشكلون تهديداً للدولة، أو إن هُم بدأوا بإطلاق الصواريخ على السفارة الأمريكية؟ في ظل معرفتنا بعدم التسامح الذي أظهره المالكي في الماضي مع أي طرفٍ يُشكل تهديداً لمصالحه الأساسية، يمكننا أن نتوقع منه أن يضع خطوطاً حمراً. أما المجموعات الأخرى الصديقة لإيران، مثل المجلس الأعلى الإسلامي في العراق، فهي أطرافٌ سياسيةٌ منافسةٌ للمالكي، لكنها مع ذلك تنفتح على الاستثمار الغربي.

ما الذي جنيناه؟

إن شعر الأمريكيون بالانزعاج من غياب ثمرةٍ ملموسةٍ جنوها من حرب العراق، فهم ليسوا الوحيدين في ذلك. فقريباً ستترأس آنا بروس من (كايروس أسوشيتس) وفداً من شركاتٍ إيطاليةٍ الى الجنوب للتحري عن جدوى الدخول في المزيد من التجارة الإيطالية مع بلدٍ يصل معدل نموه الاقتصادي بشكلٍ متواصلٍ دائمٍ إلى 10%. وقد تولدت فكرة هذه البعثة التجارية من الإحباط الإيطالي، وإيطاليا هي التي قادت الجهود في محافظة ذي قار طوال معظم سنوات الحرب، كما تقول بروس، التي تضيف: “أعتقد أنهم قد أصيبوا بالانزعاج نوعاً ما، فهُم قالوا في أنفسهم: (كيف يحصل هذا؟ إننا نحن الذين كانت لدينا قواتٌ على الأرض هناك، ونحن الذين تولينا إدارة فريق إعادة الإعمار المحليPRT من البداية وحتى النهاية ثم يذهب الفرنسيون والأتراك الى هناك ولم يساعد أيٌ منهما في عملية الاجتياح أو التحرير أو أي اسمٍ أردت أن تطلقه على ذلك). وفي نهاية أعوامي الثمانية هناك كُنت كمَن يسأل نفسه: (لماذا فعلت كل هذا؟)، والآن هو فراغٌ تام. فمقالةٌ نُشرت قبل بضعة أشهرٍ كانت تطرح السؤال: (أين ذهب كل شيء، كل المال الذي أنفقناه، أين نحن؟)، فاتصلت بي غرفة التجارة وقالت لي: (نريد الشركات الإيطالية أن تذهب جنوباً إلى الناصرية)”.

بروس، حالها حال جونسون، جزءٌ من طليعة العقول التجارية الجريئة التي تعرف العراق معرفةً وثيقةً، وهي أيضاً تطأ نفس الأرض التي طافت فيها في السابق قوات التحالف، فهؤلاء إذ يعرفون ما يعرفون ويعرفون ما يريده العراقيون في الجنوب، يُصبح من الصعب عدم التفكير في وجوب أن يكون المزيد منهم متواجدين، وفي ظل المزيد من التوجه الأمريكي الأوربي صوب البلاد. في عموم الجنوب، لم تتغير بيئة العمل كثيراً بعد (زيادة عديد القوات)، رغم أنّ عدداً أكبر من هجمات تنظيم القاعدة تقع هناك، كما أوضح لي جويل وينغ مؤخرا. وسألت بروس إن كانت تعتقد بأنّ الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي مترددان جداً في مقاربتهما هناك، فأجابت: “على الشركات التي تعاني في أوربا والولايات المتحدة أن تنظر إلى جنوب العراق. فالصينيون والأتراك عملوا ولا زالوا في أنحاء المنطقة تلك لأعوامٍ الآن. والصينيون لا يمكنهم إخفاء حقيقة أنهم صينيون، لكنهم لا يتعرضون للقتل أو المهاجمة أو الخطف. نحن بالتأكيد مترددون جداً فيما يتعلق الأمر بجنوب العراق. الفنادق ملأى بالأجانب، لكننا لسنا من بينهم. إنهم الأجانب الذين استوعبوا حقيقة أنك إذا ما أردت أن تمارس النشاط التجاري في العراق فستحتاج الى الوقت”.

العنف، حسب قول بروس، سُبّةٌ بالنسبة للجنوب، لكنّ البيروقراطية وخصوصيات العمل التجاري في العراق هما العدوان الكبيران: “توجيه النشاط التجاري في العراق لا يتم برحلة يومٍ أو يومين. تحتاج أن تجد الأطراف التي ستتحاور معها. العراق يعاني بالتأكيد من سُبّة العنف، لكنّ ذلك العنف، وإن كان مُحزناً، لم يعُد يستهدف الأجنبي”.

بين سوريا والأهوار

إن استمرار الاستثمار الأجنبي في ظل ارتفاعٍ في معدلات العنف أمرٌ مُشجعٌ، لكنّ التقدم في جنوب العراق الحيوي يمكن أن يتعرض للتهديد في نفس الوقت، فموجةٌ من النشاط المليشياوي الشيعي قد ظهرت بسبب الفشل السياسي المستمر فيما كانت تعرف في السابق (المنطقة الخضراء)، الى جانب معدلات البطالة الفظيعة وهجمات القاعدة المتواصلة. ومعظم هذا التدهور يمكن أن يُعزى الى المالكي على الصعيد المحلي، كما أشار الى ذلك كثيراً وبإسهاب الباحث البريطاني المختص بالعراق توبي دوج في كتاباته. والتحرك التكتيكي المحدود في سوريا، بدلاً من القيام بتنفيذ مقاربةٍ استراتيجيةٍ إقليميةٍ أعم وأشمل، سيُزيد الصورة تعقيداً، ومن الممكن أن يُثير مجاميع مثل كتائب حزب الله، الهامشيين الآن، لكنهم يعتقدون أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل تدعمان تنظيم القاعدة. وقد تنبأ ستيفن ويكن من معهد دراسات الحرب مؤخراً بحدوث مثل ردة الفعل العنيفة هذه، مشيراً الى أنّ تهديداتٍ بالقيام بتحركٍ أمريكيٍ ضد سوريا من شأنها أن تثير تهديداتٍ مقابلةٍ ضد الغرب مصدرها مليشياتٍ شيعيةٍ هامشية. وهذا ما يحدث الآن.

هل ينذر هذا الوضع بركضةٍ أخيرةٍ الى المخارج بالنسبة للشركات الأجنبية؟ المحافظات الجنوبية التي يحذوها الأمل في الحصول على استقلالٍ أكبر عن بغداد وتحقيق عائداتٍ نفطيةٍ أعلى من غير المحتمل أن تفسح المجال للمليشيات أن تفرض سيطرتها هناك مرة ثانية. لكن إذا ما أريد لجنوب العراق أن يظل مستقراً، سيكون واجباً على الولايات المتحدة أن تتحرك بتأنٍ في سوريا، وأن تُشرك بغداد بشكلٍ أكبر في التحضيرات المسبقة. وقد نرى طوراً جديداً في العلاقات الأمريكية العراقية، لكنّ أوباما قد يتوجب عليه أن يستخدم تأثير مسألة مبيعات الأسلحة ذات التقنية العالية ليدفع العراقيين الى إدخال تعديلات. وهذا ليس بعملٍ بسيطٍ عندما يتعلق الأمر بالعلاقات الطائفية الآخذة بالسوء، وسيتطلب الأمر ما هو أكثر بكثير من الجهود النبيلة التي يبذلها آية الله العظمى السيد علي السيستاني لرعاية السلام. والعلامات المشجعة في الجنوب هي أدلةٌ واضحةٌ على ذلك التقدم الهش، ومن الممكن أن يتعرض للضرر.

Related Posts

LEAVE A COMMENT