لقاء لم يتم مع مانديلا.. ولقاء لم يتم مع صدام حسين

زهير الجزائري*

في الأيام الحساسة التي سبقت غزو العراق عام 2003، وقبل شهرين من الحدث الذي هز العراق، دعاني صديقي المخرج ليث عبد الأمير إلى دبي لأشاركه التحضير لفلم عن أفريقيا.

وأنا في دبي، أستعد لرحلة طويلة في أفريقيا، كان ذهني موزعاً بين ثلاثة أمكنة:

ـ المكان الذي أنا فيه، حيث أتجول في ممرات الفندق ومحيطه ذهاباً وإياباً دون هدف، أرى الناس ولا أراهم بعين ذاكرتي. أنسل كما شبح حزين بين أناس لا يروني، لأنهم مشغولون بهواتفهم المحمولة وبالبضائع في الواجها،

ـ المكان الذي أنا ذاهب إليه، وأنا أدفع خيالي ومعارفي لكي أستحضره إلى هنا، وأمامي حزمة كبيرة من الكتب علي أن أقرأها قبل أن أذهب لقارة الفقر والذهب،

ـ والوطن الذي ما زالت بواباته مغلقة بوجهي منذ 25 عاماً. مع ذلك أضع نفسي بين أهلي في الزوايا المأمونة وأتابع رحلات الطائرة القاصفة (بي 52) وهي تغادر قواعدها من أمريكا الى لندن في طريقها لتصب الجحيم على بلدي. كل عواطفي وكوابيسي مع أهلي الغارقين في الجحيم، ويصلون ليل نهار خوفا من الجحيم القادم. بين تشابك الأمكنة والأزمنة حولي، وبين حزمة الكتب، أمامي كتابان عن مانديلا، الذي يفترض أن نلتقيه في بيته بعد ان ترك موقعه كأول رئيس أسود لجنوب أفريقيا، ترك الحكم دون أن يغيب عن العالم، بل تثبت كأيقونة للصبر والنصر والتسامح.

قبل أن نلتقي مانديلا، وقبل أن نحدد موعداً معه، انتظرنا عند ميناء كيب تاون، مع طابور طويل من السواح، السفينةَ التي ستنقلنا الى جزيرة روبن أيلاند لزيارة السجن الذي قضى فيه مانديلا أجمل أيام حياته. معنا كان مناضل مسلم (اسمه رضا، على ما أتذكر) قضى 17 عاما في نفس السجن وعلى مبعدة زنزانتين من زنزانة مانديلا. حين سألتني زوجته، قدرت عمره في أواسط الخمسين. دهشت حين أخبرني أن عمره 35 عاما، فقد خدعتني كثرة التجاعيد التي حفرتها سنوات السجن في وجهه. وهو معنا بانتظار السفينة، لم تكف زوجته عن تكرار السؤال القلق:

ـ هل أنت متأكد من أنك ستتحمل؟

مع شيء من الذهول والقلق، كان يطمئنها. وفي الحقيقة كان يطمئن نفسه بعد أعوام قليلة من مغادرة السجن:

ـ اطمئني، سأتحمل

مع ذلك انتابني قلقُ زوجته، وأنا أدرك أن هذه هي المرة الأولى التي يعود فيها إلى سجنه. لا يريد هذا الرجل أن يسامح سجانيه البيض، بل لا يريد أن يسامح مانديلا لأنه سامحهم:

ـ ما الذي فككه مانديلا؟ (كان مانيلا يستخدم كلمة “تفكيك”، بدلاً من “القضاء على” نظام التمييز العنصري) نظرياً، راح النظام العنصري، وصار لنا رئيس أسود، لكن بقي السود مزارعين في حقول وحدائق البيض الذين يسكنون فيلات فارهة في القمم، بينا يعيش الفقراء السود في مدن الصفيح

حين أقلعت السفينة، وهي ذاتها التي أقلّت مانديلا ورضا الى الجزيرة، دخنا من قوة الموج. أمسكت بالعمود بقوة وأنا أترنح حين قال لي رضا:

ـ تصور لو كنت معنا في القاع التحتي المغلق مع رائحة الزيت ودوي المكائن؟

في مياه تيبل بي (خليج المنضدة)، كان البحر رصاصيا تحت غيوم رصاصية، تتخللها النوارس الزاعقة. بدت الجزيرة من بعيد كأنها وهم، رمادية داكنة غارقة في الضباب، بالكاد ترتفع فوق سطح الماء. مع ذلك، ارتطمنا بصخورها الجرانيتية السوداء.

قبل أن نغادر السفينة، كررت المرأة سؤالَها القلق على زوجها الشاحب الوجه:

ـ متأكد؟

تجاهلها والتفت إلينا:

ـ حالما نغادر قاع السفينة ونحن دائخون، كنا ندخل بين صفين من الحرس، ينهالون علينا بهراوات بلاستيكية على طول الطريق، من هنــاااااا حتى تلك البوابة

كان يتلفت حوله وهو يدخل من تحت بوابة السجن ولديه قصة عن كل حجرة في الممر. تقدم أمامنا بضع خطوات ثم استدار نحونا مشيرا بأصبعه إلى باب غرفة جانبية:

ـ هنا . . قالها، وغص بكلماته، وأوشك أن يسقط، فهبّت له زوجتُه لتمسح العرق المتصبب، وأجلسته على دكة.

ـ . . هنا، أخذوا منا ملابسنا وأعطونا ملابس السجن

توقفنا عن الأسئلة، وحثثنا الخطى لنصل إلى القسم (ب) عبر الممر الإسمنتي بين صفين من زنزانات بأبواب حديدية صبغت، يا للمفارقة، بلون الماء الصافي. وقفنا مع الطابور حتى نصل إلى زنزانة مانديلا. هنا، فز رضا من صوت يعرفه. التفت وعانق رجلا أبيض نحيل نشط الحركة كان يشرح لمجموعة من الزائرين يوميات سجين في زنزانة انفرادية. إنه أحد رفاق السجن، أظن أن اسمه غوردون بروك. صارا يتخاطبان بصخب عال. أمسك رضا بلحية رفيقه والتفت إلينا: ـ هذا القرصان رتب لنا، ومعنا مانديلا، أكثر من عشر محاولات للهروب من السجن. كنا أنا ومانديلا نكسر الصخور، حين اقترب منا وهمس لنا خطته العاشرة

عندما سألته عن الخطة، تدخل الآخر:

ـ خليها سراً للمستقبل، من يعلم؟

لم يكن مانديلا، بعد سلسلة مفاوضات من زنزانته مع سلطات بريتوريا، متحمساً لفكرة الهروب لأنه كان يؤمن بأن السجن العنصري يقترب نهايته، وهناك من حذره من أن سلطات السجن تتمنى أن تنهي حياته بطلقة في الظهر خلال عملية هروب.

لا شيء مثيراً في زنزانة مانديلا (زنزانة نموذجية ضيقة، مساحتها 7 × 8 أقدام، فرشت أرضها الإسمنتية بحصيرة من القش، للنوم في ليالي الشتاء، وحين تطوق الجزيرة عواصف مثل جهنم ثلجية):

ـ كنا ننام ونحن نسمع صوت عظامنا وأسناننا وهي تصطك لأن السجانين رشوا الغرف بالماء قبل أن ندخلها في أعلى الزنزانة نافذة تطل على البحر. المنظر الذي تنفتح عليه النافذة كان جزءاً من برنامج التعذيب النفسي لأنه يعطي السجناء الإحساس بضيق الزنزانة بدلاً من اتساع البحر.

ـ تصور أننا كنا نرى من هذه النوافذ السفن التي تحمل السواح من كيب تاون الى مدن العالم. أحيانا نراها ونحن نكسر الحجر، ونتعذب أكثر حين نعرف أنهم لا يروننا من سفنهم. رأيت مقالع الحجر حيث عمل السجناء في قلع الصخور بأيديهم ونقلها من الصباح الباكر حتى المساء

ـ بملابس السجن الرثة وفي الصباحات الشتائية المثلجة، كانت أكفنا وسيقاننا ترتجف ونحن نقلع الصخور بأيدينا إلى أماكن التجميع. حين يسقط أحدنا مع حمله يمنعنا السجانون من أن نمد يدا لنساعده على النهوض من بين برامج التعذيب نقل الحجارة الثقيلة من مكان إلى آخر ثم إعادتها للمكان الأول فينوع من الجهد السيزيفي. في (منزل الأموات) تحدث دستويفسكي عن عذابات الأعمال الشاقة، وكيف تكون مشقتها روحية مضاعفة حين تكون بلا فائدة، مهمتها تحطيم روح السجين. لم يحطم السجن روح مانديلا. هنا حضر للدراسات العليا في القانون من جامعة وتر ساند، وشكل فريقا لكرة القدم، وقرأ ماركس ولينين وغاندي ونهرو وجيفارا، وكان يدرب جسده على التحمل بملاكمة حائط الزنزانة. ـ أنا ساعدته في التعرف على الإسلام الذي كان مثارَ اهتمامه وأنا أعود من السجن بنفس السفينة وسط البحر المائج، كنت أسأل كيف استطاع أن ينسى؟ بعد 27 عاما في زنزانة أكلت شبابه وبعد جولات الأشغال الشاقة اليومية، كيف استطاع أن ينسى ذلك ويخرج لسجانيه مفاوضاً؟ في بديهيتي أن العدالة تتطلب التذكر لأن الشعب الذي ينسى محكوم بالتكرار، بينما التسامح يتطلب النسيان. هذا السؤال انفتح في ذهني بإلحاح وأنا أترقب التغيير في العراق، وأسأل نفسي قبل أي شخص آخر: هل نقدر؟ وقبل ذلك، هل سيعتذرون إذا ما كشفت زنازينهم للعراء؟

خارج السجن، زرنا حي سويتو الذي كان مركز انطلاق المظاهرات التي كان ينظمها المؤتمر الوطني الافريقي الذي يقوده مانديلا. على كل حجر من هذه الأزقة قتيل، وتحت مواقع أقدامنا ما تزال الأرض تنز دم السود الذين ساروا وراء مانديلا من أجل الحرية والمساواة. في مرتفع على حافة الحي توقفت السيارة عند باب بيت فقير مسقف بالصفيح: ـ هنا، اختفى مانديلا فترة أشهر، ومنه قاد العمل في الشوارع التحتية من مخبأه المرأة التي ساعدته على الهرب خلال كبسة على الحي كانت تنخل الحبوب على دكة البيت المجاور. تركت المنخل ونهضت بصعوبة بسبب ثقل جسدها. قالت وهي ممسكة بذراع الدليل إنها وضعت جسدها سداً ليخرج مانديلا من الباب الواطئ. قالت ذلك دون احتجاج على أن مانديلا الرئيس تركها على فقرها. لكي نرتب موعدا لمقابلة مانديلا، تحتم علينا أن نزور أقرب الناس إليه، فاطمة مير، وهي واحدة من مجموعة المسلمين الذين احتلوا مواقع قيادية في المؤتمر. كانت صديقة العائلة، وفي بيتها الفارة اختفى مانديلا وزوجته ويني. وقد قضت سنوات في سجن النساء. مع ويني، كتبت فاطمة السيرة الرسمية لمانديلا. حين تتحدث فاطمة عن حياتها صديقةً وسكرتيرة سابقة لمانديلا، تتدفق بالحيوية، حتى توشك أن تقفز من كرسيها المتحرك: ـ في مانديلا السياسي مانديلا الملاكم. هل تعرف لماذا يلبس الملاكم قفازاً سميكا؟

ـ . .؟ ـ لكي يضرب خصمه دون أن يجرحه. هكذا كان يفعل مانديلا في نضاله السياسي. كان مزيجا من كاسترو وغاندي

كنا نستعجلها لتحدد لنا موعدا معه قبل سفرنا القريب. ودائماً، كانت تصبرنا بيدها:

ـ لا تقلقوا، ستقابلونه

تقولها بتأكيد لكي تواصل الحديث عنه:

ـ مَن مثله حوّل عدوه، دو كليرك، إلى شريك؟

حين رفعت سماعة الهاتف وانتظرت قليلا، تلون وجهها ببقع من ضوء الشمس وهو يتخلل شجرة برتقال قريبة من النافذة. أغلقت السماعة بهدوء وقالت:

ـ سيراكم مانديلا غدا بعد الظهر

قبلت يدها وخرجنا، ونحن نوشك أن نرقص فرحاً.

قضيت الليل أقلب الأسئلة: من أين أبدأ؟ من السجن؟ تخيلته سينظر في عيني لائماً: “من أرسلك لتعيدني لأسوأ ذكرياتي؟”. فكرت أن أبدأ بالسؤال عما سماه رضا (العنصرية الطبقية)، التي أبقت البيض سادة الأرض والاقتصاد. لمَ لا أبدأ بسؤال شخصي، مثلاً، سيرة يوم عادي من حياته؟

ونحن نستعد ونعد الكاميرات في صباح يوم اللقاء، جاءتنا مكالمة عاجلة من فاطمة تقول إن موعدنا تأجل، وطلبت أن نزورها في البيت لأمر ذي أهمية. حين وصلنا، وجدتها في نفس الموقع، على كرسيها المتحرك قريبا من النافذة، وهي تنود من تعارض الأفكار في رأسها، بادرت بالحديث:

ـ لا يستطيع نلسون أن يفكر أو يتحدث عن موضوع غير العراق. إنه مشغول كليا وقلق حد الأرق على ما سيحدث للعراق. تحدث مع كوفي عنان طويلا وقد عرض عليه عنان أن يكون الوسيط الأخير لإنقاذ البلد من الحريق

ـ كل الوسطاء فشلوا

ـ مانديلا يختلف. لن يذهب مانديلا بصفته وسيطاً سياسياً. سيذهب بصفته رمزاً كبيراً، ترك كرسي الحكم وهو في عز مجده كرمز. سيذهب ليقنع صدام بأن يفعل مثله، أن يستقيل لينقذ بلده من الدمار. ـ هل هذه فكرته أم مقترح عنان؟

ـ نلسون قضى الليل بطوله وهو يقلب الموضوع، يريد أن يفعل شيئا للعراق قبل أن تحصل الكارثة. حقا إن الرحلة متعبة لرجل بهذا العمر، وخطرة في هذا الجو المشحون بالاستعدادات العسكرية. أمس استشار عددا من أصدقائه العرب

ـ ماذا قالوا له؟

ـ نصحوه بألا يفعلها، لأن صدام ليس من النوع الذي يغادر كرسيه من أجل بلد، وربما سيرفض استقباله بعد هذه الرحلة المتعبة إذا عرف مسبقاً بطبيعة مهمته

ـ ما رأيكم أنتم العراقيين؟

سألتني أنا وزميلي السينمائي.

ـ اعتبريني من أصدقائه العرب

أَنْسانا قلقُ مانديلا على العراق خسارتَنا لقاءَه. لم نعرف ونحن نغادر جوهانسبرغ كيف حسم الرجل في النهاية قراره، هل تحدث مع صدام بالتلفون أم أغلق الخط بوجهه، أم أن الطائرات المغيرة قطعت تردده. كنت مع ليث نقطع الفلم في غرفة المونتاج حين فتحت الدبابات بوابات الوطن من الجنوب. أنا تركت الفلم ودخلته من الشرق، ومعي كتاب مانديلا (ما وراء الأمل).

Related Posts

LEAVE A COMMENT