انتخبوا لا تنتخبوا

سلوى زكو*

مرة كل اربع سنوات، نقف امام خيارين نقول ان احلاهما مر: هل نشارك ام لا نشارك في الانتخابات؟ من حسم امره هو جمهور الكتل السياسية الكبيرة، سواء أكان ذلك عن اقتناع او اقناع، ام جريا وراء عصبيات مذهبية ومناطقية وقبلية، ام خضوعا لسخاء المال السياسي الوفير. لكن المعركة تدور اليوم وبشراسة حول اصواتنا، نحن الكتلة الهلامية الأكبر، ممن لم يحسموا امرهم بعد، سواء بالمشاركة ام عدمها.

 منذ شهور، بدأت المعركة بين الكبار لتتخذ شكل تسقيط سياسي متبادل وموغل في تدنيه الاخلاقي، وصفقات سرية لعقد التحالفات، وانسلاخات عن كتل للانضمام الى اخرى، والتسابق للانضواء تحت نفوذ واحدة من دول الجوار، ومال سياسي لا يتخيله عقل كدسته صفقات الفساد طيلة اربع سنوات كي يستخدم في العملية الانتخابية، وزيارات مكوكية، سرية ومعلنة، للحصول على غطاء اقليمي ودولي، كل ذلك من اجل الوصول الى صوتنا الانتخابي.

 ودعونا نعترف ان اولئك الذين كنا نطلق عليهم صفات التخلف السياسي ونقص العقل والدين ادركوا قبلنا ان صوتنا الانتخابي هو الأثمن في هذه المعركة. وهكذا بدأنا نرى مشاهد مضحكة مبكية لسياسيين يخوضون امام الكاميرات في وحول الامطار كي نصدق انهم معنيون بمصائبنا، فنعيد انتخابهم. وسوف تمر علينا ايضا تلك المشاهد المكررة من توزيع الصوبات والبطانيات، وشراء ذمم زعماء العشائر، وسيارات فارهة ترافقها اساطيل الحماية تهبط على مساكن الفقراء استجداء لاصواتهم.

 هم يدركون اذن، اكثر منا بكثير، اهمية اصواتنا في تقرير مصائرهم. لا أحد يمكنه ان يزعم ان نتائج الانتخابات سوف تطيح بالرؤوس التي افسدت علينا حياتنا وأمنها، وحاصرتنا في برزخ ضيق من الاحباط واليأس من امكانية التغيير.

 بعضنا، بل كثير منا، يرى بحق ان هذه الانتخابات لن تأت بالتغييرالمرجو، سواء على مستوى الطموح الوطني ام الفردي. ومن قال انها ستحقق ذلك؟ لقد صمم قانون الانتخابات كي يكون سدا مانعا يحول دون خروج أي من اللاعبين الكبار من ساحة النفوذ السياسي. لكن كل هؤلاء الكبار، الذين يبدون لنا مستأسدين وقابضين على صولجان السلطة، يتوسلون بنا، نحن الذين لا نملك مالا سياسيا ولا نفوذا ولا دعما من دول الجوار وغير الجوار، كي نمنحهم اصواتنا.

 ما دام الأمر كذلك، لماذا لا نقاطع الانتخابات؟ لكن، لا الدستور ولا قانون الانتخابات يستطيع ان يبطل برلمانا حتى وان انتخبه عشرة بالمائة فقط من جمهور الناخبين، بل ان المقاطعة سوف تصب في صالح الكتل السياسية المتنفذة التي ستدفع بجمهورها التقليدي الى صناديق الاقتراع في غياب اصواتنا.

 اعرف ان جانبا كبيرا من كل ما نشهده من صراع هو في واقع الأمر تجاذب بين هذه الكتل لنقل الزخم التصويتي من كتلة الى اخرى. لكنني اعرف ايضا ان هناك هامشا يمكننا المناورة من خلاله بأن نختار وجوها عابرة للطائفية والولاءات العشائرية والمناطقية كي تكون صوتا لنا في البرلمان القادم. ولعل الطريق طويل، لكن ما من سبيل آخر أمامنا مادمنا غير قادرين على الاحتشاد في الشوارع والميادين بالملايين وليس لدينا سيسي يخرج من جيش لا تمزقه الولاءات كي ينتصر لارادة الشعب.

 أحرض بشدة على المشاركة، ومن يرفض ذلك عليه ان يقعد في البيت منتظرا العناية الالهية كي ترسل له حجارة من سجيل تطيح برؤوس الفساد.

Related Posts

LEAVE A COMMENT